إذ كان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يقول للدّنيا : « إليك عنّي إليك عنّي » ( 1 ) إذ كانت الدّنيا تتمثّل له بزينتها ، وكان عليّ عليه السّلام يقول : « يا صفراء غرّي سواي ويا بيضاء غرّي غيري » ( 2 ) وذلك لاستشعاره في نفسه ظهور مبادي الاغترار بها لولا أن رأى برهان ربّه ، وذلك هو الغنيّ المطلق إذ قال عليه السّلام : « ليس الغنى بكثرة العرض إنّما الغنى غنى النفس » ( 3 ) وإذا كان ذلك بعيدا فإذن الأصلح لكافّة الخلق فقد المال وإن تصدّقوا بها وصرفوها إلى الخيرات لأنّهم لا ينفكَّون في القدرة على المال عن الأنس بهذا العالم وبقدر ما يأنس العبد بالدّنيا يستوحش من الآخرة وبقدر ما يأنس بصفة من صفاته سوى صفة المعرفة باللَّه يستوحش من اللَّه ومن حبّه ، ومهما انقطعت أسباب الأنس بالدّنيا تجافى القلب عن الدّنيا وزهرتها والقلب إذا تجافى عمّا سوى اللَّه وكان مؤمنا باللَّه انصرف لا محالة إلى اللَّه إذ لا يتصوّر قلب فارغ وليس في الوجود إلا اللَّه وغيره فمن أقبل على غيره فقد تجافى عنه ، ومن أقبل عليه تجافى من غيره ويكون إقباله على أحدهما بقدر تجافيه عن الآخر وقربه من أحدهما بقدر بعده من الآخر ومثلهما مثل المشرق والمغرب فإنّهما جهتان فالمتردّد بينهما بقدر ما يقرب من أحدهما يبعد من الآخر بل عين القرب من أحدهما هو عين البعد عن الآخر فعين حبّ الدّنيا هو عين بغض اللَّه ، فينبغي أن يكون مطمح نظر العارف قلبه في عزوفه عن الدّنيا وأنسه بها فإذن فضل الفقير والغنيّ بحسب تعلَّق قلبيهما بالمال فقطَّ فإن تساويا فيه تساوت درجتهما إلا أنّ هذا مزلَّة الأقدام وموضع الغرور فإنّ الغنيّ ربّما يظنّ أنّه منقطع القلب عن المال ويكون حبّه دفينا في باطنه وهو لا يشعر به وإنّما يشعر به إذا فقده فليجرّب نفسه بتفريقه وإذا سرق منه فإن وجد لقلبه إليه التفاتا فليعلم أنّه كان مغرورا فكم من رجل باع سريّة له لظنّه أنّه منقطع القلب عنها فبعد لزوم البيع وتسليم الجارية اشتعل من قلبه النار الَّتي كانت مستكنّة فيه فتحقّق إذن أنّه كان مغرورا وإنّ العشق
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 329
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٢٩
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم باختلاف في المستدرك ج 4 ص 309 .
( 2 ) روى مثله الصدوق في الأمالي من حديث ضرار بن ضمرة الليثي وفي النهج مثله .
( 3 ) أخرجه البخاري ج 8 ص 118 .