متساويين . قال : وقد قال عليّ عليه السّلام : « إنّ للَّه عقوبات بالفقر ومثوبات بالفقر فمن علامة الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن عليه خلقه ويطيع به ربّه ولا يشكو حاله ويشكر اللَّه على فقره ، ومن علاماته إذا كان عقوبة أن يسيء عليه خلقه ويعصي به ربّه ويكثر الشكاية ويتسخّط بالقضاء » وهذا يدلّ على أنّ كلّ فقير فليس بمحمود بل الَّذي لا يتسخّط أو يرضى أو يفرح بالفقر يرضى لعلمه بثمرته إذ قيل ما أعطى عبد شيئا من الدّنيا إلا قيل له : خذه على ثلاثة أثلاث : شغل وهمّ وطول حساب ، وأمّا أدب ظاهره فأن يظهر التعفّف والتجمّل ولا يظهر الشكوى والفقر بل يستر فقره ويستر أنّه يستره ففي الحديث « إنّ اللَّه يحبّ الفقير المتعفّف أبا العيال » ( 1 ) وقال تعالى : « يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف » ( 2 ) وقيل : أفضل الأعمال التجمّل عند المحنة . وقال بعضهم : ستر الفقر من كنوز البر . وأمّا أدبه في مخالطته فأن لا يتواضع لغنيّ لأجل غناه بل يتكبّر عليه قال عليّ عليه السّلام : « ما أحسن تواضع الغنيّ للفقير رغبة في ثواب اللَّه وأحسن منه تيه الفقير على الغنيّ ثقة باللَّه عزّ وجلّ » فهذه رتبة الفقير وأقلّ منها أن لا يخالط الأغنياء ولا يرغب في مجالستهم لأنّ ذلك من مبادي الطمع . قال بعض العارفين : إذا مال الفقير إلى الأغنياء انحنت عروته ، فإذا طمع فيهم انقطعت عصمته ، فإذا سكن إليهم ضلّ . وينبغي أن لا يسكت عن ذكر الحقّ مداهنة للأغنياء وطمعا في العطاء . وأمّا أدبه في أفعاله فأن لا يفترّ بسبب الفقر عن عبادة اللَّه ولا يمنع بذل قليل ما يفضل عنه فإنّ ذلك جهد المقلّ وفضله أكثر من أموال كثيرة تبذل عن ظهر غنى قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « درهم من الصدقة أفضل عند اللَّه من مائة ألف درهم . قيل : وكيف ذلك يا رسول اللَّه ؟ قال : أخرج رجل من عرض ماله مائة ألف فتصدّق بها ، وأخرج رجل درهما من درهمين لا يملك غيرهما طيبة به نفسه فصار صاحب الدّرهم أفضل من صاحب مائة ألف » [ 1 ] وينبغي أن لا يدّخر مالا بل يأخذ قدر الحاجة ويخرج الباقي .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 331
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٣١
هامش
( 1 ) تقدم كرارا .
( 2 ) البقرة : 273 .
[ 1 ] أخرجه النسائي ج 5 ص 59 كتاب الزكاة باب جهد المقل وقوله عليه السّلام :
« عرض ماله » بضم العين المهملة وسكون الراء أي جانبه .