تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨

بالنظر إلى الخائفين ومجالستهم ومشاهدة أحوالهم ، فإن فاتت المشاهدة فالسماع لا يخلو عن تأثير ، وأمّا الثاني وهو الأعلى أن يكون اللَّه هو المخوف أعني أن يخاف البعد والحجاب عنه ويرجو القرب منه كما قال ذو النون : خوف النّار عند خوف الفراق كقطرة قطرت في بحر لجّيّ . وهذه خشية العلماء حيث قال تعالى : « إنّما يخشى اللَّه من عباده العلماء » ( 1 ) ولعموم المؤمنين أيضا حظَّ من هذه الخشية ولكن هو بمجرّد التقليد يضاهي خوف الصبيّ من الحيّة تقليدا لأبيه وذلك لا يستند إلى بصيرة فلا جرم يضعف ويزول عن قرب حتّى انّ الصبيّ ربّما يرى المعزّم يقدم على أخذ الحيّة فينظر إليه ويغترّ به فيتجرء على أخذها تقليدا له كما احترز من أخذها تقليدا لأبيه ، والعقائد التقليديّة ضعيفة في الغالب إلا إذا قويت بمشاهدة أسبابها المؤكَّدة لها على الدّوام وبالمواظبة على مقتضاها في تكثير الطاعات واجتناب المعاصي مدّة طويلة على الاستمرار ، فإذن من ارتقى إلى ذروة المعرفة وعرف اللَّه خافه بالضرورة فلا يحتاج إلى علاج لجلب الخوف . ومن قعد به القصور عن الارتفاع إلى يفاع الاستبصار فسبيله أن يعالج نفسه بسماع الأخبار والآثار فيطالع أحوال الخائفين وأقوالهم وينسب عقولهم ومناصبهم إلى مناصب الرّاجين المغرورين فلا يتمارى في أنّ الاقتداء بهم أولى لأنّهم الأولياء والعلماء وأمّا الآمنون فهم الفراعنة والجهّال والأغبياء ، أمّا رسولنا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فهو سيّد الأوّلين والآخرين أشدّ الناس خوفا حتّى روي أنّ رجلا من أهل الصفّة استشهد فقالت أمّه : هنيئا لك الجنّة هاجرت إلى رسول اللَّه وقتلت في سبيل اللَّه ، فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : وما يدريك لعلَّه كان يتكلَّم بما لا ينفعه ويمنع ما لا يضرّه » ( 2 ) وفي حديث آخر أنّه دخل عليه السّلام على بعض أصحابه وهو عليل فسمع امرأة تقول . هنيئا لك الجنّة ، فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : من هذه المتألَّية على اللَّه تعالى فقال المريض : هي أمّي يا رسول اللَّه ، فقال : وما يدريك لعلّ فلانا كان يتكلَّم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه » ( 3 ) وكيف لا

هامش
( 1 ) فاطر : 28 .
( 2 ) تقدم عن البيهقي في الشعب وغيره باختلاف في اللفظ في كتاب آفات اللسان .
( 3 ) تقدم أيضا في آفات اللسان .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 288 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري