تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١

الأعلى » وما لأحد من البشر الوقوف على كنه صفات اللَّه ومن عرف حقيقة المعرفة بقصور معرفته عن الإحاطة بكنه الأمور عظم خوفه لا محالة ولذلك قال عيسى عليه السّلام لما قيل : « ء أنت قلت للناس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللَّه » ( 1 ) قال : « إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك » وقال : « إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم - الآية - » ( 2 ) فوّض الأمر إلى المشيّة وأخرج نفسه بالكلَّيّة من البين لعلمه بأنّه ليس إليه من الأمر شيء وأنّ الأمور مرتبطة بالمشيّة ارتباطا يخرج عن حدّ المعقولات والمألوفات فلا يمكن الحكم عليها بقياس وحدس وحسبان فضلا عن التحقيق والاستيقان وهذا هو الَّذي قطع قلوب العارفين وليس إلا التسليم واستقراء خفيّ السابقة من جليّ الأسباب الظاهرة على القلب والجوارح فمن يسرّ له أسباب الشرّ وحيل بينه وبين أسباب الخير وأحكمت علاقته مع الدّنيا فكأنّه كشف له على التحقيق سرّ السابقة الَّتي سبقت له بالشقاوة إذ كلّ ميسّر لما خلق له وإن كانت الخيرات كلَّها ميسّرة والقلب بالكلَّيّة عن الدّنيا منقطعا وبظاهره وباطنه على اللَّه مقبلا كان هذا يقتضي تخفيف الخوف لو كان الدّوام على ذلك موثوقا به ، ولكن خطر الخاتمة وعسر الثبات يزيد نيران الخوف اشتعالا ولا يمكنها من الانطفاء وكيف يؤمن تغيّر الحال وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن وإنّه أشدّ تقلَّبا من القدر في غليانها وقد قال مقلَّب القلوب : « إنّ عذاب ربّهم غير مأمون » ( 3 ) وأجهل الناس من أمنه وهو يناديه بالتحذير من الأمن ولولا أنّ اللَّه لطف بعباده العارفين إذ روّح قلوبهم بروح الرّجاء لاحترقت قلوبهم من نار الخوف ، فأسباب الرّجاء رحمة اللَّه لخواصّ اللَّه وأسباب الغفلة رحمته على عوام الخلق من وجه إذ لو انكشف الغطاء لزهقت النفوس وتقطَّعت القلوب وروي في أخبار الأنبياء أنّ نبيّا شكا إلى اللَّه تعالى الجوع والقمل والعرى سنين وكان لباسه الصوف ، فأوحى اللَّه عزّ وجلّ إليه : عبدي أمّا رضيت أن عصمت قلبك

هامش
( 1 ) المائدة : 116 .
( 2 ) المائدة : 118 .
( 3 ) المعارج : 28 .