الخوف والرّجاء إلى مقام المجاهدة والتجرّد لذكر اللَّه والفكر فيه على الدّوام ويؤدّي دوام الذّكر إلى الأنس ، ودوام الفكر إلى كمال المعرفة ويؤدّي كمال المعرفة والأنس إلى المحبّة ويتبعها مقام الرّضا والتوكَّل وسائر المقامات ، فهذا هو الترتيب في سلوك منازل الدّين ، فليس بعد أصل اليقين مقام سوى الخوف والرّجاء ، ولا بعدهما مقام سوى الصّبر وبه المجاهدة والتجرّد للَّه باطنا وظاهرا ولا مقام بعد المجاهدة لمن فتح له الطريق إلا الهداية والمعرفة ، ولا مقام بعد المعرفة إلا المحبّة والأنس ومن ضرورة المحبّة الرّضا بفعل المحبوب والثقّة بعنايته وهو التوكَّل فإذن فيما ذكرنا في علاج الصبر كفاية ولكنّا نفرد الخوف بكلام جملي . فنقول : الخوف يحصل بطريقين مختلفين أحدهما أعلى من الآخر ، ومثاله أنّ الصبيّ إذا كان في بيت فدخل عليه سبع أو حيّة ربّما كان لا يخاف وربّما مدّ اليد إلى الحيّة ليأخذها ويلعب بها ، ولكن إذا كان معه أبوه وهو عاقل خاف من الحيّة وهرب منها فإذا نظر الصبيّ إلى أبيه وهو يرتعد فرائصه ويحتال في الهرب قام معه وغلب عليه الخوف ووافقه في الهرب فخوف الأب عن بصيرة ومعرفة بصفة الحيّة وسمّها وخاصيّتها وسطوة السبع وبطشه وقلَّة مبالاته ، وأمّا خوف الابن فانّما كان بمجرّد التقليد لأنّه يحسن الظنّ بأبيه ويعلم أنّه لا يخاف إلا من سبب مخوف في نفسه فيعلم أنّ السبع مخوف ولا يعرف وجهه ، فإذا عرفت هذا المثال فاعلم أنّ الخوف من اللَّه تعالى على مقامين أحدهما الخوف من عذابه ، والثاني الخوف منه في ذاته ، فأمّا الخوف منه فهو خوف العلماء وأرباب القلوب العارفين من صفاته ما يقتضي الهيبة والخوف والحذر المطَّلعين على سرّ قوله : « ويحذّركم اللَّه نفسه » ( 1 ) ، وقوله : « اتّقوا اللَّه حقّ تقاته » ( 2 ) فأمّا الأوّل فهو خوف عموم الخلق وهو حاصل بأصل الإيمان بالجنّة والنّار وكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية وضعفه بسبب الغفلة وبسبب ضعف الإيمان وإنّما تزول الغفلة بالوعظ والتذكير وملازمة الفكر في أهوال القيامة وأصناف العذاب في الآخرة ويزيد أيضا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 287
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٨٧
هامش
( 1 ) آل عمران : 29 .
( 2 ) آل عمران : 102 .