وطن فالأولى أن ندعو بما دعا به نبيّنا عليه السّلام إذ قال : « اللَّهمّ ارزقني حبّك وحبّ من أحبّك وحبّ ما يقرّبني إلى حبّك ، واجعل حبّك أحبّ إليّ من الماء البارد » ( 1 ) والغرض أنّ غلبة الرّجاء عند الموت أصلح لأنّه أجلب للمحبّة وغلبة الخوف قبل الموت أصلح لأنّه أحرق لنار الشهوات وأقمع لمحبّة الدّنيا عن القلب ، ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظَّنّ بربّه » ( 2 ) . وقال تعالى : « أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء » ( 3 ) والمقصود من ذلك كلَّه أن يحبّب اللَّه إلى نفسه ، ولذلك أوحى اللَّه إلى داود عليه السّلام : أن حبّبني إلى عبادي ، فقال : بما ذا ؟ فقال : بأن تذكَّر لهم آلائي ونعمائي . فإذن غاية السعادة أن يموت العبد محبّا للَّه ، وإنّما تحصل المحبّة بالمعرفة وبإخراج حبّ الدّنيا من القلب حتّى تصير الدّنيا كالسجن المانع من المحبوب . * ( بيان الدواء الذي به يستجلب حال الخوف ) * اعلم أنّ ما ذكرناه في دواء الصّبر وشرحناه في كتاب الصّبر والشكر هو كاف في هذا الغرض لأنّ الصّبر لا يمكن إلا بعد حصول الخوف والرّجاء لأنّ أوّل مقامات الدّين اليقين الَّذي هو عبارة عن قوّة الإيمان باللَّه واليوم الآخر والجنّة والنّار ، وهذا اليقين بالضّرورة يهيّج الخوف من النّار والرّجاء للجنّة والخوف والرّجاء يقويان على الصبر ، فإنّ الجنّة قد حفّت بالمكاره فلا يصبر على تحمّلها إلا بقوّة الرّجاء والنّار قد حفّت بالشهوات فلا يصبر على قمعها إلا بقوّة الخوف ، ولذلك قال عليّ عليه السّلام : « من اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشّهوات ، ومن أشفق من النّار رجع عن المحرّمات » ( 4 ) ثمّ يؤدّي مقام الصبر المستفاد من
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 286
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٨٦
هامش
( 1 ) ما عثرت عليه إلا ما رواه الترمذي ج 13 ص 27 من حديث أبي الدرداء عنه صلَّى اللَّه عليه وآله قال : كان من دعاء داود عليه السّلام وذكر مثله بأدنى اختلاف .
( 2 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4167 من حديث جابر وقد تقدم .
( 3 ) أخرجه الحاكم ج 4 ص 240 من حديث واثلة بن الأسقع .
( 4 ) النهج أبواب الحكم تحت رقم 30 . والكافي ج 2 ص 50 .