القلب والخوف يميت النّفس ، قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « المؤمن بين خوفين خوف ما مضى وخوف ما بقي » وبموت النفس يكون حياة القلب ، وبحياة القلب يكون البلوغ إلى الاستقامة ، ومن عبد اللَّه على ميزان الخوف والرّجاء لا يضلّ ويصل إلى مأموله ، وكيف لا يخاف العبد وهو غير عالم بما يختم صحيفته ولا له عمل يتوسّل به استحقاقا ولا قدرة له على شيء ولا مفرّ وكيف لا يرجو وهو يعرف نفسه بالعجز وهو غريق في بحر آلاء اللَّه ونعمائه من حيث لا تحصى ولا تعدّ والمحبّ يعبد ربّه على الرّجاء بمشاهدة أحواله بعين سهر ، والزّاهد يعبد على الخوف . قال أويس لهرم بن حيان : قد عمل الناس على الرّجاء فقال : بل نعمل على الخوف ، والخوف خوفان ثابت ومعارض فالثابت من الخوف يورث الرّجاء والمعارض منه يورث خوفا ثانيا ، والرّجاء رجاءان عاكف وباد ، فالعاكف منه يورث خوفا ثابتا يقوى نسبة المحبّة ، والبادي منه يصحّح أهل العجز والتقصير والحياء . قال أبو حامد : فإذن أقصى غايات المؤمن أن يعتدل خوفه ورجاؤه أمّا غلبة الرّجاء في غالب النّاس يكون مستنده الاغترار وقلَّة المعرفة ، ولذلك جمع اللَّه بينهما في وصف من أثنى عليهم . فقال : « يدعون ربّهم خوفا وطمعا » ( 1 ) وقال : « يدعوننا رغبا ورهبا » ( 2 ) فالخلق الموجودون في هذا الزّمان كلَّهم الأصلح لهم غلبة الخوف بشرط أن لا يخرجهم إلى اليأس وترك العمل وقطع الطمع من المغفرة فيكون ذلك سببا للتكاسل عن العمل وداعيا إلى الانهماك في المعاصي فإنّ ذلك قنوط وليس بخوف ، إنّما الخوف هو الَّذي يحثّ على العمل ويكدّر جميع الشهوات ويزعج القلب عن الرّكون إلى الدّنيا ويدعوه إلى التجافي عن دار الغرور فهو الخوف المحمود دون حديث النّفس الَّذي لا يؤثّر في الكفّ والحثّ ودون اليأس الموجب للقنوط . وقد قال يحيى بن معاذ : من عبد اللَّه تعالى بمحض الخوف غرق في بحار الأفكار ، ومن عبده بمحض الرّجاء تاه في مفازة الاغترار ، ومن عبده بالخوف و
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 284
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٨٤
هامش
( 1 ) السجدة : 16 .
( 2 ) الأنبياء : 90 .