على الأراضي في وقت الرّبيع والخريف على حسب الحاجة وانظر كيف خلق الجبال حافظة للمياه تنفجر منها العيون تدريجا فلو خرجت دفعة لغرقت البلاد وهلك الزّرع والمواشي ، ونعم اللَّه تعالى في الجبال والسحاب والبحار والأمطار لا يمكن احصاؤها وأمّا الحرارة فإنّها لا تحصل بين الماء والأرض وكلاهما باردان فانظر كيف سخّر الشمس وكيف خلقها مع بعدها عن الأرض مسخنة للأرض في وقت دون وقت ليحصل البرد عند الحاجة إلى البرد ، والحرّ عند الحاجة إلى الحرّ فهذه إحدى حكم الشمس والحكم فيها أكثر من أن تحصى ، ثمّ النبات إذا ارتفع عن الأرض كان في الفواكه انعقاد وصلابة فتفتقر إلى رطوبة تنضجها ، فانظر كيف خلق القمر وجعل من خاصيّته الترطيب كما جعل من خاصيّة الشمس التسخين فهو ينضج الفواكه ويصبغها بتقدير الفاطر الحكيم ، وكذلك لو كانت الأشجار في ظلّ يمنع شروق الشمس والقمر والكواكب عليها لكانت فاسدة ناقصة ، حتّى انّ الشجرة الصغيرة إذا أظلَّتها شجرة كبيرة تفسد وتعرف ترطيب القمر بأن تكشف رأسك له في اللَّيل فتغلب على رأسك الرّطوبة الَّتي يعبّر عنها بالزكام فكما يرطَّب رأسك يرطَّب الفواكه أيضا ، ولا نطول فيما لا مطمع في استقصائه بل نقول : كلّ كوكب في السّماء فقد سخّر لنوع فائدة كما سخّرت الشمس للتسخين والقمر للترطيب ، فلا يخلو واحد منها عن حكم كثيرة لا تفي قوّة البشر بإحصائها ولو لم تكن كذلك لكان خلقها عبثا وباطلا ولم يصحّ قوله تعالى : « وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين » ( 1 ) وقوله تعالى : « ربّنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك » ( 2 ) وكما أنّه ليس في أعضاء بدنك عضو إلا لفائدة فليس في أعضاء بدن العالم عضو إلا لفائدة ، والعالم كلَّه كشخص واحد وآحاد أجسامه كالأعضاء له ، وهي متعاونة تعاون أعضاء بدنك في جملة بدنك ، وشرح ذلك يطول . ولا ينبغي أن تظنّ أنّ الإيمان بأنّ النجوم والشمس والقمر مسخّرات بأمر اللَّه تعالى في أمور جعلت أسبابا لها بحكم الحكمة مخالف للشرع لما ورد فيه من النهي عن تصديق المنجّمين وعن علم النجوم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 206
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٠٦
هامش
( 1 ) الأنبياء : 16 .
( 2 ) آل عمران : 191 .