وانظر إلى الإبل كيف خلقت ، وإلى الخيل كيف أيّدت بسرعة الحركة ، وإلى الحمار كيف جعل صبورا على التعب ، وإلى الجمال كيف تقطع البراري وتطوي المراحل تحت الأعباء الثقيلة على الجوع والعطش ، وانظر كيف سيّرهم اللَّه بواسطة السفن والحيوانات في البرّ والبحر ليحملوا إليك الأطعمة وسائر الحوائج وتأمّل ما يحتاج إليه الحيوانات من أسبابها وأدواتها وعلفها وما يحتاج إليه السفن وقد خلق اللَّه تعالى جميع ذلك إلى حدّ الحاجة وفوق الحاجة وإحصاء ذلك غير ممكن ويتمادى ذلك إلى أمور خارجة عن الحصر نرى تركها طلبا للإيجاز .
الطرف السادس في إصلاح الأطعمة : اعلم أنّ الَّذي ينبت في الأرض من النبات وما يخلق من الحيوانات لا يمكن أن يقضم [ 1 ] ويؤكل وهو كذلك بل لا بدّ في كلّ واحد من إصلاح بطبخ وتركيب وتنظيف بالقاء البعض وإبقاء البعض إلى أمور أخر لا تحصى واستقصاء ذلك في كلّ طعام طويل فلنعيّن رغيفا واحدا ولننظر إلى ما يحتاج إليه الرّغيف الواحد حتّى يستدير ويصلح للأكل من بعد إلقاء البذر في الأرض فأوّل ما يحتاج إليه الحرّاث ليزرع ويصلح الأرض ، ثمّ الثور الَّذي تثير به الأرض والفدّان [ 2 ] وجميع أسبابه ، ثمّ بعد ذلك التعهّد بسقي الماء مدّة ثمّ تنقية الأرض من الحشيش ، ثمّ الحصاد ، ثمّ الفرك والتنقية ، ثمّ الطحن ، ثمّ العجن ، ثمّ الخبز ، فتأمّل عدد هذه الأفعال الَّتي ذكرناها وما لم نذكره وعدد الأشخاص القائمين بها وعدد الآلات الَّتي يحتاج إليها من الحديد والخشب والحجر وغيره وانظر إلى أعمال الصنّاع في إصلاح آلات الحراثة والطحن والخبز من نجّار وحدّاد وغيرهما ، وانظر إلى حاجة الحدّاد إلى الحديد والرّصاص والنحّاس ، وانظر كيف خلق اللَّه الجبال والأحجار والمعادن وكيف جعل الأرض قطعا متجاورات مختلفة ، فإن فتّشت علمت أنّ رغيفا واحدا لا يستدير بحيث يصلح لأكلك - يا مسكين - ما لم يعمل عليه أكثر من ألف صانع فابتدئ من الملك الَّذي يزجي السحاب
هامش
[ 1 ] قضم - كسمع - : أكل بأطراف أسنانه ، أو أكل يابسا .
[ 2 ] الفدان - بتخفيف الدال وتشديدها - : الثوران يقرن بينهما للحرث .