ولنأخذ من جملتها حبّة من البرّ ولندع سائر الأغذية فنقول : إذا وجدت حبّة أو حبّات فلو أكلتها فنيت وبقيت جائعا فما أحوجك إلى أن تنمو الحبّة في نفسها وتزيد وتتضاعف حتّى تفي بجميع حاجتك ، فخلق اللَّه تعالى في حبّة الحنطة من القوى ما تغتذي به كما خلق فيك ، فإنّ النبات إنّما يفارقك في الحسّ والحركة ولا يفارقك في الاغتذاء لأنّه يغتذي بالماء ويجتذب إلى باطنه بواسطة العروق كما تغتذي أنت وتجتذب ، ولسنا نطنب في ذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء إلى نفسه ولكن نشير إلى غذائه فنقول : كما أنّ الخشب والتراب لا يغذيك بل تحتاج إلى طعام مخصوص فكذلك الحبّة لا تغتذي بكلّ شيء بل تحتاج إلى شيء مخصوص بدليل أنّك لو تركتها في البيت لم تزد لأنّه لم يحط بها إلا الهواء ، ومجرّد الهواء لا يصلح لغذائها ولو تركتها في الماء لم تزد ولو تركتها في أرض لا ماء فيها لم تزد بل لا بدّ من أرض فيها ماء يمتزج ماؤها بالأرض فيصير طينا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : « فلينظر الإنسان إلى طعامه . أنّا صببنا الماء صبّا . ثمّ شققنا الأرض شقّا » ( 1 ) ثمّ لا يكفي الماء والتراب إذ لو تركت في أرض نديّة صلبة متراكمة لم تنبت لفقد الهواء فيحتاج إلى تركها في أرض رخوة متخلخلة يتغلغل الهواء إليها ، ثمّ الهواء لا يتحرّك إليها بنفسه فيحتاج إلى ريح تحرّك الهواء وتضربه بقهر وعنف على الأرض حتّى ينفذ فيها وإليه الإشارة بقوله تعالى : « وأرسلنا الرّياح لواقح » ( 2 ) وإنّما إلقاحها في إيقاع الازدواج بين الهواء والماء والأرض ، ثمّ كلّ ذلك لا يغنيك لو كان في برد مفرط أو شتاء شاتي فتحتاج إلى حرارة الرّبيع والصيف ، فقد بان احتياج غذائه إلى هذه الأربعة ، فانظر إلى ما ذا يحتاج كلّ واحد إذ يحتاج الماء لينساق إلى أرض الزّراعة من البحار والعيون والأنهار والسواقي فانظر كيف خلق البحار وفجر العيون وأجرى منها الأنهار ، ثمّ الأرض ربّما تكون مرتفعة والمياه لا ترتفع إليها فانظر كيف خلق الغيوم وكيف سلَّط الرّياح عليها لتسوقها بإذنه إلى أقطار العالم وهي سحب ثقال حوامل بالماء ، ثمّ انظر كيف يرسله مدرارا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 205
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٠٥
هامش
( 1 ) عبس : 25 و 26 و 27 .
( 2 ) الحجر : 22 .