تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤

ولا يدرك المعقولات لأنّ ذلك طور لم يبلغه بعد فكذلك يدرك البالغ المعقولات ولا يدرك ما وراءها لأنّ ذلك طور لم يبلغه بعد ، وإنّه لمقام شريف ومشرب عذب ورتبة عالية فبها يلحظ جناب الحقّ بنور الإيمان واليقين وذلك المشرب أعزّ من أن يكون شريعة لكلّ وارد بل لا يطَّلع عليه إلا واحد بعد واحد ولجناب الحقّ صدر وفي مقدّمة الصدر مجال وميدان رحب وعلى أوّل الميدان عتبة هي مستقرّ ذلك الأمر الربّاني فمن لم يكن له على العتبة جواز ولا لحافظ العتبة مشاهدة استحال أن يصل إلى الميدان فكيف بالانتهاء إلى ما وراءه من المشاهدات العالية ولذلك قيل . من لم يعرف نفسه لم يعرف ربّه ، وأنّى يصادف هذا في خزائن الأطبّاء ومن أين للطبيب أن يلاحظه ؟ بل المعنى المسمّى روحا عند الطبيب بالإضافة إلى هذا الأمر الربّاني كالكرة الَّتي يحرّكها صولجان الملك بالإضافة إلى الملك فمن أدرك الرّوح الطبّي وظنّ أنّه أدرك الأمر الربّاني كان كمن رأى الكرة فظنّ أنّه رأى الملك ولا شكّ في أنّ خطاءه فاحش وهذا الخطاء أفحش منه جدّا ، ولمّا كانت العقول الَّتي بها يحصل التكليف وبها يدرك مصالح الدّنيا عقولا قاصرة عن ملاحظة كنه هذا الأمر لم يأذن اللَّه تعالى لرسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أن يتحدّث عنه بل أمره أن يكلَّم الناس على قدر عقولهم ولم يذكر اللَّه في كتابه من حقيقة هذا الأمر شيئا لكن ذكر نسبته وفعله ولم يذكر ذاته أمّا نسبته ففي قوله « من أمر ربّي » وأمّا فعله فقد ذكره في قوله : « يا أيّتها النّفس المطمئنّة . ارجعي إلى ربّك راضية مرضيّة . فادخلي في عبادي . وادخلي جنّتي » ( 1 ) ولنرجع الآن إلى الغرض فانّ المقصود ذكر نعم اللَّه في الأكل وقد ذكر بعض نعم اللَّه في آلات الأكل . الطرف الرّابع : في نعم اللَّه في الأصول الَّتي منها تحصل الأطعمة وتصير صالحة لأن يصلحها الآدمي بعد ذلك بصنعته : اعلم أنّ الأطعمة كثيرة وللَّه تعالى في خلقها عجائب كثيرة لا تحصى وأسباب متوالية لا تتناهى وذكر ذلك في كلّ طعام ممّا يطول فإنّ الأطعمة إمّا أدوية وإمّا فواكه وإمّا أغذية فلنأخذ الأغذية فانّها الأصل

هامش
( 1 ) الفجر : 28 و 29 و 30 و 31 .