تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
يزل مشعوفا بطلب تصانيفه [ 1 ] فيزداد بمزيد الوقوف على عجائب علمه حبّا له فكذلك الأمر في عجائب صنع اللَّه فإنّ العالم كلَّه من تصنيفه بل تصنيف المصنّفين من تصنيفه الَّذي صنّفه بواسطة قلوب العباد ، فإن تعجّبت من تصنيف فلا تتعجّب من المصنّف بل من الَّذي سخّر المصنّف لتأليفه بما أنعم عليه من هدايته وتسديده وتعريفه ، كما إذا رأيت لعب المشعوذ ترقص وتتحرّك حركات موزونة متناسبة فلا تتعجّب من اللَّعب فإنّها خرق محرّكة لا متحرّكة ولكن تتعجّب من حذق المشعوذ المحرّك لها بروابط دقيقة خفيّة عن الأبصار فإذن المقصود أنّ غذاء النبات لا يتمّ إلا بالماء والهواء والشمس والقمر والكواكب ، ولا يتمّ ذلك إلا بالأفلاك الَّتي هي مركوزة فيها ، ولا يتمّ الأفلاك إلا بحركاتها ، ولا يتمّ حركاتها إلا بملائكة سماويّة يحرّكونها وكذلك يتمادى ذلك إلى أسباب بعيدة تركنا ذكرها تنبيها بما ذكرناه على ما أهملناه ولنقتصر على هذا من ذكر أسباب غذاء النبات . الطرف الخامس : في نعمة اللَّه تعالى في الأسباب الموصلة للأطعمة إليك : اعلم أنّ هذه الأطعمة كلَّها لا توجد في كلّ مكان بل لها شروط مخصوصة لأجلها توجد في بعض الأماكن دون بعض ، والناس منتشرون على وجه الأرض وقد تبعد عنهم الأطعمة وتحول بينهم وبينها البحار والبراري ، فانظر كيف سخّر اللَّه تعالى التجّار وسلَّط عليهم حرص حبّ المال وشره الرّبح مع أنّهم لا يغنيهم شيء في غالب الأمر ، بل يجمعون فإمّا أن تغرق بهم السفن أو تنهبها قطَّاع الطريق أو يموتون في بعض البلاد فيأخذها السلاطين وأحسن أحوالهم أن يأخذها ورثتهم وهم أشدّ أعدائهم لو عرفوا ، فانظر كيف سلَّط اللَّه الجهل والغفلة عليهم حتّى يقاسوا الشدائد في طلب الرّبح ويركبوا الأخطار ويغرّروا بالأرواح في ركوب البحار فيحملون الأطعمة وأنواع الحوائج من أقصى الشرق والغرب إليك ، وانظر كيف علَّمهم اللَّه صناعة السفن وكيفيّة الرّكوب فيها ، وانظر كيف خلق الحيوانات وسخّرها للحمل والرّكوب في البراري
هامش
[ 1 ] شغفه حبه - بالغين المعجمة - : وشعفه حبه - بالعين المهملة - كلاهما بمعنى ، أي غشى الحب شغاف قلبه .