تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣

إذا انطفأ أظلم البيت كلَّه فالرّوح إذا انطفأ أظلم البدن كلَّه وفارقته أنواره الَّتي كان يستفيدها من الرّوح وهي أنوار الإحساسات والقدر والإرادات وسائر ما يجمعها معنى لفظ الحياة ، فهذا أيضا رمز وجيز إلى عالم آخر من عوالم نعمة اللَّه تعالى وعجائب صنعه وحكمته ليعلم أنّه « لو كان البحر مدادا لكلمات ربّي لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته » فتعسا لمن كفر باللَّه تعسا وسحقا لمن كفر نعمته سحقا [ 1 ] فإن قلت : فقد وصفت الرّوح ومثّلته ورسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم سئل عن الرّوح فلم يزد على أن قال : « الرّوح من أمر ربّي » فلم لم يصفه على هذا الوجه ؟ فاعلم أنّ هذه غفلة عن الاشتراك الواقع في لفظ الرّوح فإنّ الرّوح يطلق لمعان كثيرة لا نطول بذكرها ونحن إنّما وصفنا من جملتها جسما لطيفا تسمّيه الأطبّاء روحا وقد عرفوا صفته ووجوده وكيفيّة سريانه في الأعضاء وكيفية حصول الإحساس والقوى في الأعضاء به حتّى إذا خدر بعض الأعضاء علموا أنّ ذلك لوقوع سدّة في مجرى هذا الرّوح فلا يعالجون موضع الخدر بل منابت الأعصاب ومواقع السدّة فيها ويعالجونها بما يفتح السدّة فإنّ هذا الجسم بلطفه ينفذ في شباك العصب وبواسطته يتأدّى من القلب إلى سائر الأعضاء وما يرتقي إليه معرفة الأطبّاء فأمره نازل سهل ، وأمّا الرّوح الَّتي هي الأصل وهي الَّتي إذا فسدت فسد بها سائر الجسد ، فذلك سرّ من أسرار اللَّه تعالى لم نصفه ولا رخصة في وصفه إلا أن يقال : هو أمر ربّانيّ كما قال تعالى : « قل الروح من أمر ربّي » ( 1 ) والأمور الربّانيّة لم يحتمل العقول وصفها بل تتحيّر فيها عقول أكثر الخلق ، وأمّا الأوهام والخيالات فقاصرة عنها بالضرورة قصور البصر عن إدراك الأصوات وتتزلزل في ذكر مبادي وصفها معاقد العقول المقيّدة بالجوهر والعرض المحبوسة في مضيقها فلا يدرك بالعقل شيء من وصفه بل بنور آخر أعلى وأشرف من العقل يشرق ذلك النور في عالم النبوّة والولاية ونسبته إلى العقل نسبة العقل إلى الوهم والخيال وقد خلق اللَّه تعالى الخلق أطوارا ، فكما يدرك الصبيّ المحسوسات

هامش
( 1 ) الاسراء : 85 .
[ 1 ] التعس : الهلاك . والسحق - بالضم وبضمتين - : البعد .