أهملناه من جملة ما عرفناه حذرا من التطويل وجملة ما عرفناه وعرفه الخلق كلَّهم بالإضافة إلى ما لم يعرفوه من نعم اللَّه أقلّ من قطرة من بحار إلا أنّ من علم شيئا من هذا أدرك شمّة عن معاني قوله تعالى : « وإن تعدّوا نعمة اللَّه لا تحصوها » ( 1 ) ثمّ انظر كيف ربط اللَّه تعالى قوام هذه الأعضاء وقوام منافعها وإدراكاتها وقواها ببخار لطيف يتصاعد من الأخلاط الأربعة ومستقرّه القلب ويسري في جميع البدن بواسطة العروق الضوارب فلا ينتهي إلى جزء من أجزاء البدن إلا ويحدث عند وصوله في تلك الأجزاء ما يحتاج إليه من قوّة حسّ وإدراك وقوّة حركة وغيرها كالسراج الَّذي يدار في أطراف البيت فلا يصل إلى جزء إلا ويحصل بسبب وصوله ضوء على أجزاء البيت وهو من خلق اللَّه تعالى واختراعه ولكنّه جعل السراج سببا له بحكمته وهذا البخار اللَّطيف هو الَّذي تسمّيه الأطباء الرّوح ومحلَّه القلب ، ومثاله جرم نار السراج ، والقلب له كالمسرجة ، والدّم الأسود الَّذي في باطن القلب له كالفتيلة ، والغذاء له كالزّيت والحياة الظاهرة في سائر أعضاء البدن بسببه كالضوء للسراج في جملة البيت ، وكما أنّ السراج إذا انقطع زيته انطفأ فسراج الرّوح أيضا ينطفئ مهما انقطع غذاؤه وكما أنّ الفتيلة قد تحترق وتصير رمادا بحيث لا يقبل الزّيت فينطفئ السراج مع كثرة الزيت وكذلك الدّم الَّذي تشبّث به هذا البخار في القلب قد يحترق بفرط حرارة القلب فينطفئ مع وجود الغذاء فإنّه لا يقبل الغذاء الَّذي يبقى الرّوح به كما لا يقبل الرّماد الزّيت قبولا تتشبّث الناريّة ، وكما أنّ السراج تارة تنطفئ بسبب من داخل كما ذكرنا وتارة بسبب من خارج كهبوب ريح أو إطفاء إنسان فكذلك انطفاء الرّوح تارة يكون بسبب من داخل وتارة بسبب من خارج وهو القتل وكما أنّ انطفاء السراج بفناء الزّيت أو بفساد الفتيلة أو بريح عاصف أو بإطفاء إنسان لا يكون إلا بأسباب مقدّرة في علم اللَّه مرتّبة ، ويكون كلّ ذلك بقدر فكذلك انطفاء الرّوح وكما أنّ انطفاء السراج هو منتهى وقت وجوده فيكون ذلك أجله الَّذي أجّل له في أمّ الكتاب فكذلك انطفاء الرّوح وكما أنّ السراج
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 202
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٠٢
هامش
( 1 ) إبراهيم : 34 .