عنقيها وتقذف بالعنق الأخرى إلى الأمعاء ليحصل له في نقل الطعام رطوبة مزلقة ويحدث في الأمعاء لذع يحرّكها للدّفع فتنضغط حتّى يندفع الثفل وينزلق وتكون صفرته لذلك ، وأمّا الطحال فإنّه يحيل تلك الفضلة إحالة يحصل بها فيه حموضة وقبض ثمّ يرسل منها في كلّ يوم شيئا إلى فم المعدة فيحرّك الشهوة بحموضته وينبّهها ويثيرها ويخرج الباقي مع الثفل ، وأمّا الكلية فإنّها تغتذي ممّا في تلك المائيّة من دم وترسل الباقي إلى المثانة ، ولنقتصر على هذا القدر من بيان نعمة اللَّه تعالى في الأسباب الَّتي أعدّت للأكل ، ولو ذكرنا كيفيّة احتياج الكبد إلى القلب والدّماغ واحتياج كلّ واحد من الأعضاء الرّئيسة إلى صاحبه وكيفيّة انشعاب العروق الضوارب في القلب إلى سائر البدن والَّتي بواسطتها يصل الرّوح وكيفيّة انشعاب الأعصاب من الدّماغ إلى سائر البدن وبواسطتها يصل الحسّ وكيفيّة انشعاب العروق السواكن من الكبد إلى سائر البدن وبواسطتها يصل الغذاء ، ثمّ كيفيّة تركيب الأعضاء وعدد عظامها وعضلاتها وعروقها وأوتارها ورباطاتها وغضاريفها ورطوباتها لطال الكلام ، وكلّ ذلك يحتاج إليه للأكل ولأمور أخر سواه بل في الآدميّ آلاف من العضلات والعروق مختلفة بالصغر والكبر والدّقّة والغلظ ، وكثرة الانقسام وقلَّته ، ولا شيء منها إلا وفيه حكمة أو اثنتان أو ثلاث أو أربع إلى عشر وزيادة ، وكلّ ذلك نعمة من اللَّه عليك ، لو سكن من جملتها عرق متحرّك أو تحرّك عرق ساكن لهلكت يا مسكين ، فانظر إلى نعمة اللَّه أوّلا لتقوى بها على الشكر ، فإنّك لا تعرف من نعمة اللَّه إلا الأكل وهي أخسّها ، ثمّ لا تعرف منها إلا أنّك تجوع فتأكل والحمار أيضا يعلم أنّه يجوع فيأكل ويتعب فينام ويشتهي فيجامع ويستريح فيقمص ويرمح [ 1 ] ، فإذا لم تعرف أنت من نفسك إلا ما يعرفه الحمار فكيف تقوم بشكر نعم اللَّه عليك وهذا القدر الَّذي رمزنا إليه على الإيجاز قطرة من بحر واحد من بحار نعم اللَّه تعالى فقطَّ ، فقس على الإجمال ما
هامش
[ 1 ] قمص الفرس وغيره : رفع يديه معا وطرحهما معا ، وعجن برجليه ، والعير :
وثب ونفر . رمحه الفرس والحمار والبغل إذا ضربه برجليه .