الإنفاق ، فلذلك قبّحت الأموال والمعنيّ به تقبيح إمساكها والحرص عليها للاستكثار منها ، والتوسّع في نعيمها بما يوجب الرّكون إلى الدّنيا ولذّاتها ، فأمّا أخذها بقدر الكفاية وصرف الفاضل إلى الخيرات فليس بمذموم وحقّ كلّ مسافر أن لا يحمل إلا بقدر زاده في السفر إذا صمّم العزم على أن يختصّ بما يحمله فأمّا إذا سمحت نفسه بإطعام الطعام وتوسيع الزّاد على الرّفقاء فلا بأس بالاستكثار ، وقوله عليه السّلام : « ليكن بلاغ أحدكم من الدّنيا كزاد الرّاكب » ( 1 ) معناه لأنفسكم خاصّة وإلا فقد كان فيمن يروي هذا الحديث ويعمل به من يأخذ مائة ألف درهم في موضع واحد ويفرّقها في موضعه ولا يمسك منها حبّة ، فإذن النعم الدّنياويّة مشوبة قد امتزج دواؤها بدائها ، ومرجوّها بمخوفها ، ونفعها بضرّها ، فمن وثق ببصيرته وكمال معرفته فله أن يقرب منها متّقيا داءها ومستخرجا دواءها ، ومن لا يقدر على ذلك فالبعد البعد ، والفرار الفرار عن مظانّ الأخطار فلا تعدل بالسلامة شيئا في حقّ هؤلاء وهم الخلق كلَّهم إلا من عصمه اللَّه تعالى وهداه لطريقه . فإن قلت : فما معنى النعم التوفيقيّة الرّاجعة إلى الهداية والرّشد والتأييد والتسديد ؟ فاعلم أنّ التوفيق لا يستغنى عنه أحد وهو عبارة عن التأليف والتلفيق بين إرادة العبد وبين قضاء اللَّه وقدره ، وهذا يشمل الخير والشرّ وما هو سعادة وما هو شقاوة ، ولكن جرت العادة بتخصيص اسم التوفيق بما يوافق السعادة من جملة قضاء اللَّه وقدره كما أنّ الإلحاد عبارة عن الميل فخصّص بمن يميل إلى الباطل عن الحقّ وكذا الارتداد ولا خفاء بالحاجة إلى التوفيق ولذلك قيل : إذا لم يكن عون من اللَّه للفتى * فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده فأمّا الهداية فلا سبيل لأحد إلى طلب السعادة إلا بها لأنّ داعية الإنسان قد تكون مائلة إلى ما فيه صلاح آخرته ولكن إذا لم يعلم ما فيه صلاح آخرته حتّى يظنّ الفساد صلاحا فمن أين ينفعه مجرّد الإرادة فلا فائدة في الإرادة والقدرة والأسباب إلا بعد الهداية ، ولذلك قال تعالى : « ربّنا الَّذي أعطى كلّ شيء خلقه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 189
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨٩
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة ، والحاكم ج 4 ص 317 من حديث سلمان .