وجود إلهيّ يسنح في الباطن يقوى به الإنسان على تحرّي الخير وتجنّب الشرّ حتّى يصير كمانع من باطنه غير محسوس وإيّاه عنى بقوله تعالى : « ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه » ( 1 ) فهذه هي مجامع النعم ولن تتثبّت إلا بما يخوّله اللَّه من الفهم الصافي الثاقب والسمع الواعي والقلب البصير المتواضع المراعي والمعلَّم الناصح ، والمال الزّائد على ما يقصر عن المهمّات بقلَّته ، القاصر عمّا يشغل عن الدّين بكثرته ، والعزّ الَّذي يصونه عن سفه السفهاء وظلم الأعداء ويستدعي كلّ واحد من هذه الأسباب الستّة عشر أسبابا وتستدعي تلك الأسباب أسبابا إلى أن تنتهي بالآخرة إلى دليل المتحيّرين وملجأ المضطرّين وذلك ربّ الأرباب ومسبّب الأسباب ، وإذا كانت تلك الأسباب طويلة لا يحتمل مثل هذا الكتاب استقصاءها فلنذكر منها أنموذجا ليعلم به معنى قوله تعالى : « وإن تعدّوا نعمة اللَّه لا تحصوها » ( 2 ) . * ( بيان وجه الأنموذج في كثرة نعم اللَّه ) * * ( وتسلسلها وخروجها عن الحصر والإحصاء ) * اعلم أنّا جمعنا النعم في ستّة عشر ضربا وجعلنا صحّة البدن نعمة من النعم الواقعة في الرّتبة المتأخّرة ، فهذه النعمة الواحدة لو أردنا أن نستقصي الأسباب الَّتي بها تمّت هذه النعمة لم نقدر عليها ولكنّ الأكل أحد أسباب الصحّة فلنذكر نبذة من جملة الأسباب الَّتي بها تتمّ نعمة الأكل ، ولا يخفى أنّ الأكل فعل وكلّ فعل من هذا النوع فهو حركة وكلّ حركة فلا بدّ لها من جسم متحرّك هو آلتها ولا بدّ لها من قدرة على الحركة ، ولا بدّ له من إرادة للحركة ولا بدّ من علم بالمراد وإدراك له ولا بدّ للأكل من مأكول ولا بدّ للمأكول من أصل منه يحصل ولا بدّ له من صانع يصلحه ، فلنذكر أسباب الإدراك ، ثمّ أسباب الإرادة ، ثمّ أسباب القدرة ، ثمّ أسباب المأكول على سبيل التلويح لا على سبيل الاستقصاء . الطرف الأوّل في نعم اللَّه تعالى في خلق أسباب الإدراك اعلم أنّ اللَّه تعالى -
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 192
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٩٢
هامش
( 1 ) يوسف : 24 .
( 2 ) إبراهيم : 34 .