تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧

وقد ذمّ اللَّه تعالى المال والجاه وكذا رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وكذا العلماء قال تعالى : « إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوّا لكم » ( 1 ) وقال تعالى : « إنّما أموالكم وأولادكم فتنة » ( 2 ) وقال عليّ عليه السّلام في ذمّ النسب « الناس أبناء ما يحسنون ، وقيمة كلّ امرء ما يحسنه » [ 1 ] ، وقيل : المرء بنفسه لا بأبيه . فما معنى كونها نعمة مع كونها مذمومة شرعا ؟ فاعلم أنّ من يأخذ العلوم من الألفاظ المنقولة المأوّلة والعمومات المخصّصة كان الضلال عليه أغلب ما لم يهتد بنور اللَّه إلى إدراك الأمور على ما هي عليه ثمّ ينزل النقل على وفق ما ظهر له منها بالتأويل مرّة وبالتخصيص أخرى فهذه نعم معينة على أمر الآخرة لا سبيل إلى جحدها إلا أنّ فيها فتنا ومخاوف ، فمثل المال مثال الحيّة الَّتي فيها ترياق نافع وسمّ ناقع فإن أصابها المعزّم الَّذي يعرف وجه الاحتراز عن سمّها وطريق استخراج ترياقها النافع كانت نعمة ، وإن أصابها السوادي الغرّ فهي عليه بلاء وهلاك ، وهو مثل البحر الَّذي تحته أصناف الجواهر واللَّآلي ، فمن ظفر بالبحر فإن كان عالما بالسباحة وطريق الغوص وطريق الاحتراز عن مهلكات البحر فقد ظفر بنعمه ، وإن خاضه جاهلا بذلك فقد هلك ، فلذلك مدح اللَّه تعالى المال وسمّاه خيرا ، ومدحه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقال : « نعم العون على تقوى اللَّه المال » وكذلك مدح الجاه والعزّ إذ منّ اللَّه على رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بأن أظهره على الدّين كلَّه وحبّبه في قلوب الخلق وهو المعنيّ بالجاه ولكنّ المنقول في مدحهما قليل والمنقول في ذمّ المال والجاه كثير ، وحيث ذمّ الرّياء فهو ذمّ الجاه إذ الرّياء مقصوده اجتلاب القلوب ، ومعنى الجاه ملك القلوب ، وإنّما كثر هذا وقلّ ذاك لأنّ الناس أكثرهم جهّال بطريق الرّقية لحيّة المال ، وطريق الغوص في بحر الجاه ، فوجب تحذيرهم فإنّهم يهلكون بسمّ المال قبل الوصول إلى ترياقه ويهلكهم تمساح بحر الجاه قبل العثور على جواهره ولو كانا في أعيانهما مذمومين بالإضافة

هامش
( 1 ) التغابن : 14 .
( 2 ) التغابن : 15 .
[ 1 ] الاختصاص 2 في النهج أبواب الحكم تحت رقم 81 « قيمة كل امرء ما يحسن » فقط وكذا في تحف العقول ص 201 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 187 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري