« أفضل السعادات طول العمر في طاعة اللَّه » [ 1 ] وإنّما يستحقر من جملته أمر الجمال فيقال : يكفي أن يكون البدن سليما من الأمراض الشاغلة عن تحرّي الخيرات ولعمري الجمال قليل الغناء ولكنّه من الخيرات أيضا أمّا في الدّنيا ، فلا يخفى نفعه فيها ، وأمّا في الآخرة فمن وجهين أحدهما أنّ القبيح مذموم والطباع عنه نافرة وحاجات الجميل إلى الإجابة أقرب وجاهه في الصدور أوسع ، فكأنّه من هذا الوجه جناح مبلَّغ كالمال والجاه إذ هو نوع قدرة إذ يقدر الجميل الوجه على تنجيز حاجات لا يقدر عليها القبيح وكلّ معين على قضاء حاجات الدّنيا فمعين على الآخرة بواسطتها ، والثاني أنّ الجمال في الأكثر يدلّ على فضيلة النفس لأنّ نور النفس إذا تمّ إشراقه تأدّى إلى البدن فالمنظر والمخبر كثيرا مّا يتلازمان ، ولذلك عوّل أصحاب الفراسة في معرفة مكارم النفس على هيئات البدن ، وقالوا : الوجه والعين مرآة الباطن ولذلك يظهر فيه أثر الغضب والسرور والغمّ وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « اطلبوا الخير عند حسان الوجوه » [ 2 ] وقال بعض الصحابة : إذا بعثتم رسولا فاطلبوا حسن الوجه حسن الاسم ، وقال الفقهاء : إذا تساوت درجات المصلَّين فأحسنهم وجها أولاهم بالإمامة ، وقال تعالى ممتنّا بذلك : « وزاده بسطة في العلم والجسم » ( 1 ) ولسنا نعني بالجمال ما يحرّك الشهوة فإنّ ذلك أنوثة ، وإنّما نعني به ارتفاع القامة على الاستقامة مع الاعتدال في اللَّحم وتناسب الأعضاء وتناصف خلقة الوجه بحيث لا تنبو الطباع عن النظر إليه . فإن قلت : فقد أدخلت المال والجاه والنسب والأهل والولد في حيّز النعم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 186
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨٦
هامش
( 1 ) البقرة : 247 .
[ 1 ] قال العراقي : غريب بهذا اللفظ وللترمذي من حديث أبي بكرة أن رجلا قال :
« يا رسول اللَّه أي الناس خير قال : من طال عمره وحسن عمله » .
[ 2 ] أخرجه أبو يعلى من رواية إسماعيل بن عياش عن خيرة بنت محمد بن ثابت بن سباع عن أمها عائشة ولا يعرف حالهما ، ورواه ابن حبان من وجه آخر في الضعفاء والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر وله طريق كلها ضعيف كما في المغني .