للجاه إلا ملك القلوب كما لا معنى للغنى إلا ملك الدّراهم ومن ملك الدّراهم تسخّرت له أرباب القلوب لدفع الأذى عنه فكما يحتاج الإنسان إلى سقف يدفع عنه المطر ، وجبّة تدفع عنه البرد ، وكلب يدفع الذّئب عن ماشيته فيحتاج أيضا إلى من يدفع الشرّ به عن نفسه ، وعلى هذا القصد كان الأنبياء الَّذين لا ملك لهم ولا سلطنة يراعون السلاطين ويطلبون عندهم الجاه وكذلك علماء الدّين لا على قصد التناول من خزائنهم والاستئثار والاستكثار في الدّنيا بمتابعتهم ، ولا تظننّ أنّ نعمة اللَّه تعالى على رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حيث نصره وأكمل دينه وأظهره على جميع أعدائه ومكَّن له في القلوب حبّه حتّى اتّسع به عزّه وجاهه كانت أقلّ من نعمته عليه حين كان يؤذى ويضرب حتّى افتقر إلى الهرب والهجرة . فإن قلت : كرم العشيرة وشرف الأهل هو من النعم أم لا ؟ فأقول : نعم قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « الأئمّة من قريش » ( 1 ) ولذلك كان عليه السّلام من أكرمهم أرومة في نسب آدم ، ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « تخيّروا لنطفكم الأكفاء » ( 2 ) وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إيّاكم وخضراء الدّمن ، فقيل : وما خضراء الدّمن ؟ فقال : المرأة الحسناء في المنبت السوء » [ 1 ] فهذا أيضا من النعم ولست أعني به الانتساب إلى الظلمة وأرباب الدّنيا ، بل الانتساب إلى شجرة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وإلى أئمّة العلماء وإلى الصالحين والأبرار المتزيّنين بالعلم والعمل . فإن قلت : فما معنى الفضائل البدنيّة ؟ فأقول : لا خفاء لشدّة الحاجة إلى الصحّة والقوّة وإلى طول العمر إذ لا يتمّ على علم وعمل إلا بهما ، ولذلك قال عليه السّلام :
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 185
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨٥
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم والبيهقي في السنن من حديث علي عليه السّلام بسند حسن كما في الجامع الصغير .
( 2 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 1968 وقد تقدم في النكاح .
[ 1 ] رواه الكليني في الكافي ج 5 ص 332 وفي النهاية الأثيرية بعد نقل الحديث قال : الدمن جمع دمنة وهي ما تدمنه الإبل والغنم بأبوالها وأبعارها أي تلبده في مرابضها فربما نبت فيها النبات الحسن النضير .