تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
عليك بوضع القبلة الَّتي بوضعها كمال عبادتك ، وكذلك إذا لبست خفّك فابتدأت باليسرى فقد ظلمت لأنّ الخفّ وقاية الرّجل فللرّجل فيه حظَّ والبداية في الحظوظ ينبغي أن يكون بالأشرف فهو العدل والوفاء بالحكمة ، ونقيضه ظلم وكفران لنعمة الرّجل والخفّ وهذا عند العارفين كبيرة وإن سمّاه الفقيه مكروها حتّى أنّ بعضهم كان قد جمع أكرارا من الحنطة وكان يتصدّق بها فسئل عن سببه فقال : لبست المداس مرّة فابتدأت بالرّجل اليسرى سهوا فأريد أن أكفّره بالصدقة ، نعم الفقيه لا يقدر على تفخيم الأمر في هذه الأمور لأنّه مسكين بلي باصلاح العوام الَّذين تقرب درجتهم من درجة الأنعام فهم منغمسون في ظلمات أطمّ وأعظم من أن تظهر أمثال هذه الظلمات بالإضافة إليها فقبيح أن يقال : الَّذي شرب الخمر وأخذ القدح بيساره فقد تعدّى من وجهين أحدهما الشرب والآخر الأخذ باليسار ومن باع حرّا في وقت النداء يوم الجمعة فقبيح أن يقال : خالف من وجهين أحدهما بيع الحرّ والآخر البيع في وقت النداء ، ومن قضى حاجته في محراب المسجد مستدبر القبلة فقبيح أن يذكر تركه الأدب في قضاء الحاجة من حيث إنّه لم يجعل القبلة عن يمينه ، فالمعاصي كلَّها ظلمات وبعضها فوق بعض فينمحق بعضها في جنب البعض ، فالسيّد قد يعاقب عبده إذا استعمل سكَّينه بغير إذنه ولكن لو قتل بتلك السكَّين أعزّ أولاده لم يبق لاستعمال السكَّين بغير إذنه حكم ونكاية في نفسه ، فكلّ ما راعاه الأنبياء عليهم السّلام والأوصياء من الآداب وتسامحنا به في الفقه مع العوام فسببه هذه الضرورة وإلا فكلّ هذه المكاره عدول عن العدل وكفران للنعمة ونقصان عن الدّرجة المبلَّغة للعبد إلى درجات القرب ، نعم بعضها يؤثّر في العبد بنقصان القرب وانحطاط المنزلة وبعضها يخرج بالكلَّيّة عن حدود القرب إلى عالم البعد الَّذي هو مستقرّ الشياطين . وكذلك من كسر غصنا من شجرة من غير حاجة ناجزة مهمّة ومن غير غرض صحيح فقد كفر نعمة اللَّه في خلق الأشجار وخلق اليد ، وأمّا اليد فإنّها لم تخلق للعبث بل للطاعة والأعمال المعينة على الطاعة ، وأمّا الشجر فإنّما خلقه اللَّه تعالى وخلق له العروق وساق إليه الماء وخلق فيه قوّة الاغتذاء والنماء
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 167 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري