تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
على العقلاء بأن يصرفوا أوقاتهم إلى وضع الدّرهم على الأرض وأخذه بعينه ، فلا نمنع ممّا لا تتشوّق النفوس إليه إلا أن يكون أحدهما أجود وذلك أيضا لا يتصوّر جريانه إذ صاحب الجيّد لا يرضى بمثله من الرّدي فلا ينتظم العقد وإن طلب زيادة في الرّدي فذلك ممّا قد يقصده فلا جرم نمنعه منه ، ونحكم بأنّ جيّدها ورديّها سواء لأنّ الجودة والرّداءة ينبغي أن ينظر إليهما فيما يقصد في عينه ، وما لا غرض في عينه فلا ينبغي أن ينظر إلى مضافات دقيقة في صفاته ، وإنّما الَّذي ظلم هو الَّذي ضرب النقود مختلفة في الجودة والرّداءة حتّى صارت مقصودة في أعيانها وحقّها أن لا تقصد ، وأمّا إذا باع درهما بدرهم مثله نسيئة فإنّه لم يجز ذلك لأنّه لا يقدم على هذا إلا مسامح قاصد للإحسان ففي القرض وهو مكرمة مندوحة عنه لتبقى صورة المسامحة فيكون له حمد وأجر ، والمعاوضة لا حمد فيها ولا أجر ، فهو أيضا ظلم لأنّه إضاعة خصوص المسامحة وإخراجها في معرض المعاوضة . وكذلك الأطعمة خلقت ليغتذّي بها أو يتداوى بها فلا ينبغي أن تصرف عن جهتها فإنّ فتح باب المعاملة فيها يوجب تقييدها في الأيدي ويؤخّر عنها الأكل الَّذي أريدت له فما خلق اللَّه الطعام إلا ليؤكل ، والحاجة إلى الأطعمة شديدة فينبغي أن تخرج عن يد المستغني عنها إلى المحتاج ولا يعامل على الأطعمة إلا مستغن عنها ، إذ من معه طعام فلم لا يأكله إن كان محتاجا ولم يجعله بضاعة تجارة وإن جعله بضاعة تجارة فليبعه ممّن يطلبه بعوض غير الطعام يكون محتاجا إليه ، فأمّا من يطلبه بعين ذلك الطعام فهو أيضا مستغن عنه ، ولهذا ورد في الشرع لعن المحتكر وورد فيه من التشديدات ما ذكرناه في كتاب آداب الكسب ، نعم بائع البرّ بالتمر معذور إذ أحدهما لا يسدّ مسدّ الآخر في الغرض وبائع صاع من البرّ بصاع مثله غير معذور ولكنّه عابث فلا يحتاج إلى منع لأنّ النفوس لا تسمح به إلا عند التفاوت في الجودة ومقابلة الجيّد بمثله من الرّدي لا يرضى بها صاحب الجيّد ، وأمّا جيّد برديئين فقد يقصد ولكن لمّا كانت الأطعمة من الضروريات والجيّد يساوي الرّدي في أصل الفائدة ويخالفه في وجوه التنعّم أسقط الشرع غرض التنعّم فيما هو القوام فهذه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 165 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري