الدّنيا إذ بها تندفع ضروراتهم وترتفع حاجاتهم ، نعم لا يدخل هذا في حدّ فتاوي الفقه لأنّ مقادير الحاجات خفيّة والنفوس في استشعار الفقر في الاستقبال مختلفة وأواخر الأعمار غير معلومة فتكليف العوام ذلك يجري مجرى تكليف الصّبيان الوقار والتؤدة والسكوت عن كلّ كلام غير مهمّ وهم بحكم نقصانهم لا يطيقونه فتركنا الاعتراض عليهم في اللَّعب واللَّهو وإباحتنا إيّاهم ذلك لا يدلّ على أنّ اللَّهو واللَّعب حقّ ، وكذلك إباحتنا للعوام حفظ الأموال والاقتصار في الإنفاق على قدر الزكوات لضرورة ما جبلوا عليه من البخل لا يدلّ على أنّه غاية الحقّ ، وقد أشار القرآن إليه إذ قال تعالى : « إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا » ( 1 ) بل الحقّ الَّذي لا كدورة فيه والعدل الَّذي لا ظلم فيه أن لا يأخذ أحد من عباد اللَّه من مال اللَّه إلا بقدر زاد الرّاكب ، وكلّ عباد اللَّه ركَّاب لمطايا الأبدان إلى حضرة الملك الدّيّان فمن أخذ زيادة عليه ثمّ منعه عن راكب آخر محتاج إليه فهو ظالم تارك للعدول وخارج عن مقصود الحكمة وكافر نعمة اللَّه عليه بالقرآن والرّسول والعقل وسائر الأسباب الَّتي بها عرف أنّ ما سوى زاد الراكب وبال عليه في الدّنيا والآخرة ، فمن فهم حكمة اللَّه تعالى في جميع أنواع الموجودات قدر على القيام بوظيفة الشكر واستقصاء ذلك يحتاج إلى مجلَّدات ، ثمّ لا تفي إلا بالقليل وإنّما أوردنا هذا القدر ليعلم علَّة الصدق في قوله تعالى : « وقليل من عبادي الشكور » ( 2 ) وفرح إبليس لعنه اللَّه بقوله : « ولا تجد أكثرهم شاكرين » ( 3 ) فلا يعرف معنى هذه الآية من لم يعرف هذا كلَّه وأمورا أخر وراء هذا ينقضي الأعمار دون استقصاء مباديها ، فأمّا تفسير الآية ومعنى لفظها فيعرف كلّ من يعرف اللَّغة وبهذا يتبيّن لك الفرق بين المعنى والتّفسير . فإن قلت : فقد رجع حاصل هذا الكلام إلى أنّ للَّه حكمة في كلّ شيء وأنّه جعل بعض أفعال العباد سببا لتمام تلك الحكمة وبلوغها غاية المراد منها وجعل
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 169
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦٩
هامش
( 1 ) سورة محمد صلَّى اللَّه عليه وآله : 37 .
( 2 ) سبأ : 13 .
( 3 ) الأعراف : 16 .