تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
بعض أفعالهم مانعا من تمام الحكمة فكلّ فعل وافق مقتضى الحكمة حتّى انساقت الحكمة إلى غايتها فهو شكر ، وكلّ ما خالف ومنع الأسباب من أن تنساق إلى الغاية المرادة بها فهو كفران وهذا كلَّه مفهوم ، ولكنّ الاشكال باق وهو أنّ فعل العبد المنقسم إلى ما يتمّ الحكمة وإلى ما يرفعها هو أيضا من فعل اللَّه تعالى فأين العبد في البين حتّى يكون شاكرا مرّة وكافرا أخرى ؟ فاعلم أنّ تمام التحقيق في هذا يستمدّ من تيّار بحر عظيم من علوم المكاشفات وقد رمزنا فيما سبق إلى تلويحات بمباديها ونحن الآن نعبّر بعبارة وجيزة عن آخرها وغايتها يفهمها من عرف منطق الطير ويجحدها من عجز عن الايضاع في السّير [ 1 ] فضلا عن أن يجول في جوّ الملكوت جولان الطير ، فنقول : إنّ اللَّه سبحانه في جلاله وكبريائه صفة عنها يصدر الخلق والاختراع وتلك الصّفة أعلى وأجلّ من أن تلمحها عين واضع اللَّغة حتّى يعبّر عنها بعبارة تدلّ على كنه جلالها وخصوص حقيقتها فلم يكن في العالم لها عبارة لعلوّ شأنها وانحطاط رتبة واضعي اللَّغات عن أن يمتدّ طرفهم إلى مبادي إشراقها فانخفضت عن ذروتها أبصارهم كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور الشمس لا لغموض في نور الشمس ولكن لضعف في أبصار الخفافيش ، فاضطرّ الَّذين فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها إلى أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين باللَّغات عبارة تفهم من مبادي حقائقها شيئا ضعيفا جدّا ، فاستعاروا لها اسم القدرة فتجاسرنا بسبب استعارتهم على النطق فقلنا : للَّه صفة هي القدرة ، عنها يصدر الخلق والاختراع ، ثمّ الخلق ينقسم في الوجود إلى أقسام وخصوص صفات ، ومصدر انقسام هذه الأقسام واختصاصها بخصوص صفاتها صفة أخرى استعير لها بمثل الضرورة الَّتي سبقت عبارة المشيّة فهي توهم منها أمر مجملا عند المتناطقين باللَّغات الَّتي هي حروف وأصوات المتفاهمين بها وقصور لفظ المشيّة عن الدّلالة على كنه تلك الصفة وحقيقتها كقصور لفظ القدرة ، ثمّ انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة إلى ما ينساق إلى المنتهى الَّذي هو غاية حكمتها وإلى ما يقف
هامش
[ 1 ] أوضع في سيره : أسرع .