حكمة الشرع في تحريم الرّبا . فهذا مثال واحد لحكمة خفيّة من حكم النقدين فينبغي أن يعتبر شكر النعمة وكفرانها بهذا المثال فكلّ ما خلق لحكمة فلا ينبغي أن يصرف عنها ، ولا يعرف هذا إلا من قد عرف الحكمة و « من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا » ولكن لا تصادف جواهر الحكم في قلوب هي مزابل الشهوات وملاعب الشياطين ، بل لا يتذكَّر إلا أولو الألباب ، ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء » ( 1 ) . وإذا عرفت هذا المثال فقس عليه حركتك وسكونك ونطقك وسكوتك وكلّ فعل صادر منك فإنّه إمّا شكر وإمّا كفران لا يتصوّر أن تنفكّ عنهما وبعض ذلك نصفه في لسان الفقه الَّذي يناطق به عوام الخلق بالكراهة وبعضه الحظر وكلّ ذلك عند أرباب القلوب موصوف بالحظر ، فأقول : مثلا لو استنجيت باليمين فقد كفرت نعمة اليدين إذ خلق اللَّه تعالى لك اليدين وجعل إحداهما أقوى من الأخرى فاستحقّ الأقوى بمزيد رجحانه في الغالب التشريف والتفضيل إذ تفضيل الناقص عدول عن العدل واللَّه لا يأمر إلا بالعدل ، ثمّ أحوجك من أعطاك اليدين إلى أعمال بعضها شريف كأخذ المصحف وبعضها خسيس كإزالة النجاسة فإذا أخذت المصحف باليسار وأزلت النجاسة باليمين فقد خصّصت الشريف بما هو خسيس فغضضت من حقّه وظلمته وعدلت عن العدل ، وكذلك إذا بزقت مثلا في جهة القبلة أو استقبلتها في قضاء الحاجة فقد كفرت نعمة اللَّه في خلق الجهات وخلق سعة العالم لأنّه خلق الجهات ليكون متّسعك في حركاتك ، وقسّم الجهات إلى ما لم يشرّفها وإلى ما شرّفها بأن وضع فيها بيتا أضافه إلى نفسه استمالة لقلبك إليه ليتقيّد به قلبك فيتقيّد بسببه بدنك في تلك الجهة على هيئة الثبات والوقار إذا عبدت ربّك ، وكذلك انقسمت أفعالك إلى ما هي شريفة كالطاعات وإلى ما هي خسيسة كقضاء الحاجة ورمي البزاق ، فإذا رميت بزاقك إلى جهة القبلة فقد ظلمتها وكفرت نعمة اللَّه تعالى
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 166
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦٦
هامش
( 1 ) تقدم غير مرة في الصوم وغيره .