يغلبه » ( 1 ) فإذن ما ذكرناه من علاج الصبر عن الوسواس وعن الشهوة وعن الجاه أضفه إلى ما ذكرناه من قوانين طرق المجاهدة في كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات ، واتّخذه دستورك لتعرف به علاج الصبر في جميع الأقسام الَّتي فصّلناها من قبل ، فإنّ تفصيل الآحاد يطول ومن راعى التدريج ترقّى به الصبر إلى حالة يشقّ عليه الصبر دونه كما كان يشقّ عليه الصبر معه ، فتنعكس أموره فيصير ما كان محبوبا عنده ممقوتا ، وما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا يصر عنه ، وهذا لا يعرف إلا بالتجربة والذوق ، وله نظير في العادات فإنّ الصبيّ يحمل على التعلَّم في الابتداء قهرا فيشقّ عليه الصبر عن اللَّعب والصبر مع العلم حتّى إذا انفتحت بصيرته وأنس بالعلم انقلب الأمر فصار يشقّ عليه الصبر عن العلم والصبر على اللَّعب . وإلى هذا يشير ما حكي عن بعض العارفين أنّه سأل الشبلي عن الصبر أيّه أشدّ ، فقال الصبر في اللَّه ، فقال : لا ، فقال : الصبر للَّه ، فقال : لا ، قال : الصبر مع اللَّه ، قال : لا ، قال : فأيش ؟ قال : الصبر عن اللَّه ، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف . وقد قيل في معنى قوله تعالى : « اصبرو وصابروا ورابطوا » ( 2 ) : اصبروا في اللَّه ، وصابروا باللَّه ، ورابطوا مع اللَّه . وقيل : الصبر للَّه غناء والصبر باللَّه بقاء ، والصبر مع اللَّه وفاء ، والصبر عن اللَّه جفاء . وقد قيل في معناه : والصبر عنك فمذموم عواقبه * والصبر في سائر الأشياء محمود وقيل أيضا : الصبر يجمل في المواطن كلَّها * إلا عليك فإنّه لا يجمل هذا آخر ما أردنا شرحه من علوم الصبر وأسراره . * ( الشطر الثاني من الكتاب في الشكر ) * وله ثلاثة أركان الرّكن الأوّل في فضيلة الشكر وحقيقته وأقسامه وأحكامه .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 140
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٤٠
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ج 3 ص 19 باختلاف في اللفظ وفي صحيح البخاري مثله .
( 2 ) آل عمران : 200 .