الدّنيا والآخرة جميعا ، فالَّذين وفّقوا للاستداد [ 1 ] على الصراط المستقيم فازوا بالدّنيا والآخرة جميعا ، فإذا عرفت الآن معنى الملك والرّبوبيّة ومعنى التسخير والعبوديّة ومدخل الغلط في ذلك وكيف تعيمة الشيطان وتلبيسه فيسهل عليك النزوع عن الملك والجاه والإعراض عنه والصبر عند فواته إذ تصير بتركه ملكا في الحال وترجو به ملكا في الآخرة ومن كوشف بهذه الأمور بعد أن ألف الجاه وأنس به ورسخ فيه بالعادة مباشرة أسبابه فلا يكفيه في العلاج مجرّد العلم والكشف بل لا بدّ وأن يضيف إليه العمل وعمله في ثلاثة أمور : أحدها أن يهرب من موضع الجاه كي لا يشاهد أسبابه فيعسر عليه الصبر مع الأسباب ، كما يهرب من غلبته الشهوة عن مشاهدة الصور المحركة ومن لم يفعل هذا فقد كفر نعمة اللَّه تعالى في سعة الأرض إذ قال تعالى : « ألم تكن أرض اللَّه واسعة فتهاجروا فيها » ( 1 ) . الثاني أن يكلَّف نفسه في أعماله أفعالا تخالف ما اعتاده فيبدّل التكلَّف بالتبذّل وزيّ الحشمة بزيّ التواضع ، وكذلك كلّ هيئة وحال وفعل في مسكن وملبس ومطعم وقيام وقعود كان يعتاده وفاء بمقتضى جاهه ، فينبغي أن يبدّلها بنقائضها حتّى يترسّخ باعتياد ذلك ضدّ ما رسخ فيه من قبل باعتياد ضدّه ، فلا معنى للمعالجة إلا المضادّة . الثالث أن يراعى في ذلك التلطَّف والتدريج فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبذّل فإنّ الطبع نفور ولا يمكن نقله عن أخلاقه إلا بالتدريج فيترك البعض ويسلَّي نفسه بالبعض ثمّ إذا قنعت نفسه بذلك البعض ابتدأ بترك البعض إلى أن يقنع بالبقيّة وهكذا يفعل شيئا فشيئا إلى أن يقمع تلك الصفات الَّتي رسخت فيه ، وإلى هذا التدريج الإشارة بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغّض إلى نفسك عبادة اللَّه تعالى فإنّ المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » [ 2 ] وإليه الإشارة بقوله عليه السّلام : « لا تشادّوا هذا الدّين فإنّ من يشادّه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 139
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣٩
هامش
( 1 ) النساء : 97 .
[ 1 ] استد - بالسين المهملة - : استقام .
[ 2 ] أخرجه البزار من حديث جابر كما في الجامع الصغير وقد تقدم . وفي الكافي ج 2 ص 87 مثله . والمنبت من انقطع به في سفره .