تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧

هو مذموم على غلط وقع له بسبب تغرير الشيطان اللَّعين المبعد عن عالم الأمر ، إذ حسده على كونه من عالم الأمر ، فأضلَّه وأغواه ، وكيف يكون مذموما عليه وهو يطلب سعادة الآخرة ، فليس بطلب إلا بقاء لا فناء فيه ، وعزّا لا ذلّ فيه ، وأمنا لا خوف فيه ، وغنى لا فقر فيه ، وكمالا لا نقصان فيه ، وهذه كلَّها من أوصاف الرّبوبيّة وليس مذموما على طلب ذلك بل حقّ كلّ عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر له ، وطالب الملك طالب للعلوّ والعزّ والكمال لا محالة ولكنّ الملك ملكان ملك مشوب بأنواع الآلام وملحوق بسرعة الانصرام ولكنّه عاجل وهو في الدّنيا ، وملك مخلَّد دائم لا يشوبه كدر ولا ألم ، ولا يقطعه قاطع ولكنّه آجل وقد خلق الإنسان عجولا راغبا في العاجلة ، فجاء الشيطان وتوسّل إليه بواسطة العجلة الَّتي في طبعه فاستغواه بالعاجلة وزيّن له الحاضرة وتوسّل إليه بواسطة الحمق فوعده بالغرور في باب الآخرة ومنّاه مع ملك الدّنيا ملك الآخرة ، كما قال عليه السّلام : « والأحمق من اتّبع نفسه هواها وتمنّى على اللَّه الأمانيّ » ( 1 ) فانخدع المخذول بغروره واشتغل بطلب عزّ الدّنيا وملكها على قدر إمكانه ، ولم يتدلّ الموفّق بحبل غروره إذ علم مداخل مكره فأعرض عن العاجلة فعبّر عن المخذولين فقال سبحانه : « كلا بل تحبّون العاجلة . وتذرون الآخرة » ( 2 ) وقال تعالى : « إنّ هؤلاء يحبّون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا » ( 3 ) وقال تعالى : « فأعرض عمّن تولَّى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدّنيا . ذلك مبلغهم من العلم » ( 4 ) ولمّا استطار مكر الشيطان في كافّة الخلق أرسل اللَّه الملائكة إلى الرّسل فأوحوا إليهم ما مرّ على الخلق من إهلاك العدوّ وإغوائه ، فاشتغلوا بدعوة الخلق إلى الملك الحقيقيّ عن الملك المجازي الَّذي لا أصل له إن سلم ولا دوام له أصلا ، فنادوا فيهم « يا أيّها الَّذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللَّه اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدّنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدّنيا في الآخرة إلا قليل » ( 5 ) فالتّورية و

هامش
( 1 ) قد تقدم .
( 2 ) القيامة : 20 و 21 .
( 3 ) الإنسان : 27 .
( 4 ) النجم : 29 و 30 .
( 5 ) التوبة : 38 .