الإنجيل والزّبور والفرقان وصحف موسى وكلّ كتاب منزل ما انزل إلا لدعوة الخلق إلى الملك الدّائم المخلَّد ، والمراد منهم أن يكونوا ملوكا في الدّنيا ملوكا في الآخرة ، أمّا ملك الدّنيا فبالزّهد فيها والقناعة باليسير منها ، وأمّا ملك الآخرة فبالقرب من اللَّه تعالى بدرك بقاء لا فناء فيه وعزّ لا ذل فيه ، وقرّة عين أخفيت في هذا العالم لا تعلمها نفس من النفوس ، والشيطان يدعوهم إلى ملك الدّنيا لعلمه بأنّ ملك الآخرة يفوت به إذ الدّنيا والآخرة ضرّتان ، ولعلمه بأنّ الدّنيا لا تسلم له أيضا ولو كانت تسلم لكان يحسده أيضا ، ولكن ملك الدّنيا لا يخلو عن المنازعات والمكدّرات وطول الهموم في التدبيرات وكذلك سائر أسباب الحياة ، ثمّ كما يسلم ويتمّ الأسباب ينقضي العمر « حتّى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّيّنت وظنّ أهلها أنّهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كان لم تغن بالأمس » فضرب اللَّه تعالى لها مثلا وقال : « واضرب لهم مثل الحياة الدّنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرّياح » ( 1 ) والزّهد في الدّنيا لمّا كان ملكا حاضرا حسده الشيطان عليه فصدّه عنه ، ومعنى الزّهد أن يملك العبد شهوته وغضبه فينقادان لباعث الدّين وإشارة الإيمان ، وهذا ملك بالاستحقاق إذ به يصير صاحبه حرّا وباستيلاء الشهوة عليه يصير عبدا لبطنه وفرجه وسائر أعضائه فيكون مسخّرا مثل البهيمة مملوكا يستجرّه زمام الشهوة آخذا بمختنقه [ 1 ] إلى حيث يريد ويهوى فما أعظم اغترام الإنسان إذ ظنّ أنّه ينال الملك بأن يصير مملوكا وينال الرّبوبيّة بأن يصير عبدا ، ومثل هذا هل يكون إلا معكوسا في الدّنيا منكوسا في الآخرة ولهذا قال بعض الملوك لبعض الزّهّاد : سل منّي حاجة ، قال : كيف أطلب منك حاجة وملكي أعظم من ملكك ، فقال : كيف ؟ قال : من أنت عبده فهو عبد لي ، فقال : كيف ذلك ؟ قال : أنت عبد شهوتك وغضبك وفرجك وبطنك وقد ملكت أنا هؤلاء كلَّهم فهم عبيد لي ، فهذا إذن هو الملك في الدّنيا وهو الَّذي يسوق إلى الملك في الآخرة فالمنخدعون بغرور الشيطان خسروا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 138
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣٨
هامش
( 1 ) الكهف : 45 .
[ 1 ] أي مضيقه .