يدري متى يقدّر اللَّه أسباب المطر إلا أنّه يثق بفضل اللَّه تعالى ورحمته أنّه لا يخلى سنة عن مطر ، فكذلك قلَّما تخلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات ونفحة من النّفحات ، فينبغي أن يكون العبد قد طهّر أرض القلب من حشيش الشهوات وبذر فيه بذر الإرادة والإخلاص ، وعرضه لمهابّ رياح الرّحمة وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الرّبيع وعند ظهور الغيم فيقوى انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة وعند اجتماع الهمم وتساعد القلوب كما في يوم عرفه ويوم الجمعة وأيّام رمضان فإنّ الهمم والأنفاس أسباب بحكم تقرير اللَّه تعالى لاستدرار رحمته حتّى يستدرّ بها الأمطار في أوقات الاستسقاء وهي لاستدرار أمطار المكاشفات ولطائف المعارف من خزائن الملكوت أشدّ مناسبة منها لاستدرار قطرات الماء واستجرار الغيوم من أقطار الجبال والبحار ، بل الأحوال والمكاشفات حاضرة معك في قلبك وإنّما أنت مشغول عنها بعلائقك وشهواتك فصار ذلك حجابا بينك وبينها فلا تحتاج إلا أن تنكسر الشهوة وترفع الحجاب فيشرق أنوار المعارف من باطن القلب ، وإظهار ماء الأرض بحفر القنى أسهل وأقرب من استرسال الماء إليها من مكان بعيد منخفض عنها ولكونه حاضرا في القلب ومنسيا بالشغل عنه سمّى اللَّه جميع معارف الإيمان تذكَّرا فقال : « ليتذكَّر أولو الألباب » ( 1 ) وقال : « ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر » ( 2 ) فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس والشواغل وهو آخر درجات الصبر وإنّما الصبر عن العلائق كلَّها مقدّم على الصبر عن الخواطر ، وأشدّ العلائق على النفس علاقة الخلق وحبّ الجاه ، فإنّ لذّة الرّئاسة والغلبة والاستعلاء والاستتباع أغلب اللَّذات في الدّنيا على نفوس العقلاء وكيف لا تكون أعلى اللَّذات ومطلوبها صفة من صفات اللَّه تعالى والرّبوبيّة مطلوبة ومحبوبة بالطبع للقلب بما فيه من المناسبة لأمور الرّبوبيّة وعنه العبارة بقوله تعالى : « قل الرّوح من أمر ربي » ( 3 ) وليس القلب مذموما على حبّه ذلك وإنّما
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 136
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣٦
هامش
( 1 ) ص : 29 .
( 2 ) القمر : 17 .
( 3 ) الاسراء : 85 .