لعزيمة الصبر « وأقلّ ما أوتي الناس اليقين وعريمة الصبر » . والثاني أن يعوّد هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجا قليلا قليلا حتّى يدرك لذّة الظفر بها فيستجري عليها وتقوى منّته في مصارعتها ، فإنّ الاعتياد والممارسة للأعمال الشاقّة يؤكَّد القوى الَّتي تصدر منها تلك الأعمال ولذلك تزيد قوّة الحمّالين والفلاحين والمقاتلين وبالجملة الممارسين للأعمال الشاقّة على قوّة الخيّاطين والعطَّارين والفقهاء والصالحين ، وذلك لأنّ قواهم لم تتأكَّد بالممارسة ، فالعلاج الأوّل يضاهي أطماع المصارع في الخلعة عند الغلبة ووعده بأنواع الكرامة كما وعد فرعون سحرته عند إغرائه إيّاهم بموسى حيث قال : « وإنّكم إذا لمن المقرّبين » والثاني يضاهي تعويد الصبي الَّذي يراد منه المصارعة والمقاتلة مباشرة أسباب ذلك منذ الصبي حتّى يأنس به ويستجري عليه ويقوى فيه منّته ، فمن ترك بالكلَّية المجاهدة بالصبر ضعف فيه باعث الدّين ولا يقوى على الشهوة وإن ضعفت ومن عوّد نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد ، فهذا منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر ولا يمكن استيفاؤه وإنّما أشدّها كفّ الباطن عن حديث النفس ، وإنّما يشتدّ ذلك على من تفرّغ له بأنّ قمع الشهوات الظاهرة وآثر العزلة وجلس للمراقبة والذّكر والفكر ، فإنّ الوسواس لا يزال يجاذبه من جانب وهذا لا علاج له البتّة إلا قطع العلائق كلَّها ظاهرا وباطنا بالفرار عن الأهل والولد والمال والجاه والرّفقاء والأصدقاء ، ثمّ الاعتزال إلى زاوية بعد إحراز قد يسير من القوت وبعد القناعة به ثمّ كلّ ذلك لا يكفي ما لم تصر الهموم همّا واحدا وهو اللَّه تعالى ثمّ إذا غلب ذلك على القلب فلا يكفي ذلك ما لم يكن فيه مجال في الفكر وسير بالباطن في ملكوت السماوات والأرض وعجائب صنع اللَّه وسائر أبواب معرفة اللَّه حتّى إذا استولى ذلك على قلبه دفع اشتغاله بذلك محادثة الشيطان ووسواسه ، وإن لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه إلا الأوراد المتواصلة المترتّبة في كلّ لحظة من القراءة والأذكار والصلوات ويحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضور فإنّ التفكَّر بالباطن هو الَّذي يستغرق القلب دون الأوراد الظاهرة ، ثمّ إذا فعل كلّ ذلك لم يسلم له من الأوقات إلا بعضها إذ لا يخلو
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 134
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣٤