سجود منه فهو روح السجود وإنّما وضع الجبهة على الأرض قالبه ، وعلامته الدالَّة عليه بالاصطلاح ولو جعل وضع الجبهة على الأرض علامة استخفاف بالاصطلاح لتصوّر ذلك كما أنّ الانبطاح بين يدي المعظَّم المحترم يرى استخفافا بالعادة ، فلا ينبغي أن يدهشك صدف الجوهر عن الجوهر وقالب الرّوح عن الرّوح وقشر اللَّب عن اللَّب ، فتكون ممّن قيّده عالم الشهادة بالكلَّيّة عن عالم الغيب وتحقّق أنّ الشيطان من المنظرين فلا يتواضع لك بالكفّ عن الوسواس إلى يوم الدّين إلا أن تصبح وهمومك همّ واحد ، فيشتغل قلبك باللَّه وحده فلا يجد الملعون مجالا فيك فعند ذلك تكون من عباد اللَّه المخلصين الدّاخلين في الاستثناء من سلطنة هذا اللَّعين ولا تظننّ أنّه يخلو عنه قلب فارغ ، بل هو سيّال يجري من ابن آدم مجرى الدّم وسيلانه مثل الهواء في القدح فإنّك إن أردت أن يخلو القدح عن الهواء من غير أن تشغله بالماء أو بغيره فقد طمعت في غير مطمع بل بقدر ما يخلو من الماء يدخل فيه الهواء لا محالة ، فكذلك القلب المشغول بفكر مهمّ في الدّين يخلو عن جولان الشياطين وإلا فمن غفل عن اللَّه ولو في لحظة فليس له في تلك اللَّحظة قرين إلا الشيطان ، ولذلك قال تعالى : « ومن يعش عن ذكر الرّحمن نقيّض له شيطانا فهو له قرين » ( 1 ) . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ اللَّه يبغض الشابّ الفارغ » [ 1 ] وهذا لأنّ الشابّ إذا تعطَّل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه كان ظاهره فارغا ولم يبق قلبه فارغا بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ويفرخ ثمّ يزوج أفراخه أيضا ويبيض مرّة أخرى ويفرخ وهكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات لأنّ طبعه من النار ، وإذا وجد الحلفاء اليابسة كثر تولَّده فلا يزال تتوالد النار من النار ولا ينقطع البتة ، بل يسري شيئا فشيئا على الاتّصال . فالشهوة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 131
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣١
هامش
( 1 ) الزخرف : 36 .
[ 1 ] قال العراقي : لم أجده . أقول : رواه الكليني في الكافي ج 5 ص 84 من حديث موسى بن جعفر عليهما السّلام هكذا « ان اللَّه يبغض العبد النوام الفارغ » .