يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه فإذن مهما دفع الكراهة بالتفكَّر في نعمة اللَّه تعالى عليه بالثواب نال درجة الصّابرين ، نعم من كمال الصبر كتمان المرض والفقر وسائر المصائب ، وقد قيل : من كنوز البرّ كتمان المصائب والأوجاع والصّدقة ، فقد ظهر لك بهذه التقسيمات أنّ وجوب الصبر عامّ في جميع الأحوال والأفعال فإنّ الَّذي كفى الشهوات كلَّها واعتزل وحده فلا يستغني عن الصبر على العزلة والانفراد ظاهرا وعن الصبر عن وساوس الشيطان باطنا ، فإنّ اختلاج الخواطر لا يسكن ، فأكثر جولان الخاطر إنّما يكون في فائت لا تدارك له أو في مستقبل لا بدّ وأن يحصل منه ما هو مقدّر فهو كيف ما كان تضييع زمان ، وآلة العبد قلبه وبضاعته عمره ، فإذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر يستفيد به أنسا باللَّه أو عن فكر يستفيد معرفة باللَّه ليستفيد بالمعرفة محبّة اللَّه فهو مغبون ، هذا إن كان فكره ووسواسه في المباحات مقصورا عليه ولا يكون ذلك غالبا بل يتفكَّر في وجوه الحيل لقضاء الشهوات إذ لا يزال ينازع كلّ من تحرّك على خلاف غرضه في جميع عمره أو من يتوهّم به أنّه ينازعه ويخالف غرضه بظهور أمارة له منه بل يقدّر المخالفة من أخلص الناس في حبّه حتّى في أهله وولده ، ويتوهّم مخالفتهم له ، ثمّ يتفكَّر في كيفيّة زجرهم وكيفيّة قهرهم ، وجوابهم عمّا يتعلَّلون به في مخالفته ولا يزال في شغل دائم ، فللشيطان جندان جند يطير وجند يسير والوسواس عبارة عن حركة جنده الطيّار ، والشهوة عبارة عن حركة جنده السيّار ، وهذا لأنّ الشيطان خلق من النار ، وخلق الإنسان من صلصال كالفخّار ، والفخّار قد اجتمع فيه مع النار الطين ، والطين طبعه السكون . والنار طبعها الحركة ، فلا يتصوّر نار مشتعلة لا تتحرّك ، بل لا تزال تتحرّك بطبعها وقد كلَّف الملعون المخلوق من النار أن يطمئنّ عن حركته ، ساجدا لما خلق من الطين فأبي واستكبر واستعصى ، وعبّر عن سبب استعصائه بأن قال : « خلقتني من نار وخلقته من طين » فإذن حيث لم يسجد الملعون لأبينا آدم صلوات اللَّه عليه فلا ينبغي أن يطمع في سجوده لأولاده ، ومهما كفّ عن القلب وسواسه وعدوانه وطيرانه وجولانه فقد أظهر انقياده وإذعانه وانقياده بالإذعان
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 130
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣٠