في نفس الشابّ للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار ، وكما لا يبقى النار إذا لم يبق لها قوت وهو الحطب فلا يبقى للشيطان مجال إذ لم تكن شهوة فإذن إذا تأمّلت علمت أن أعدى عدوّ لك شهواتك وهي صفة نفسك الَّتي إن لم تشغلها شغلتك ، فإذن حقيقة الصبر وكماله الصبر عن كلّ حركة مذمومة ، وحركة الباطن أولى بالصبر عنها وهذا صبر دائم لا يقطعه إلا الموت .
* ( بيان دواء الصبر وما يستعان به عليه ) *
اعلم أنّ الَّذي أنزل الدّاء أنزل الدّواء ووعد الشفاء ، فالصبر وإن كان شاقّا أو ممتنعا فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعلم ، فالعلم والعمل هما الأخلاط الَّتي منها تركب الأدوية لأمراض القلوب كلَّها ولكن يحتاج كلّ مرض إلى علم آخر وعمل آخر ، وكما أنّ أقسام الصبر مختلفة فأقسام العلل المانعة منها مختلفة ، وإذا اختلفت العلل اختلف العلاج ، إذ معنى العلاج مضادّة العلَّة وقمعها واستيفاء ذلك ممّا يطول ولكنّا نعرّف الطريق في بعض الأمثلة فنقول : إذا افتقر إلى الصبر عن شهوة الوقاع مثلا فقد غلبت عليه بحيث ليس يملك معها فرجه أو يملك فرجه ولكن ليس يملك عينه أو يملك عينه ولكن ليس يملك قلبه ونفسه إذ لا تزال تحدّثه بمقتضيات الشهوة ويصرفه ذلك عن المواظبة على الذّكر والفكر والأعمال الصالحة ، فنقول : قد قدّمنا أنّ الصبر عبارة عن مصارعة باعث الدّين مع باعث الهوى وكلّ متصارعين أردنا أن يغلب أحدهما الآخر فلا طريق لنا فيه إلا تقوية من أردنا أن تكون له اليد العليا وتضعيف الآخر ، فلزمنا ههنا تقوية باعث الدّين وتضعيف باعث الشهوة فأمّا باعث الشهوة فسبيل تضعيفه ثلاثة أمور أحدها أن تنظر إلى مادّة قوتها فهي الأغذية الطيّبة المحرّكة للشهوة من حيث نوعها ومن حيث كثرتها فلا بدّ من قطعها بالصوم الدائم مع الاقتصار عند الإفطار على طعام قليل في نفسه ضعيف في جنسه فيحترز عن اللَّحم والأطعمة المهيّجة للشهوة ، والثاني قطع أسبابه المهيّجة له في الحال فإنّه إنّما يهيّج بالنظر إلى مظانّ الشهوة إذ النظر يحرّك القلب والقلب يحرّك الشهوة وهذا يحصل بالعزلة والاحتراز عن مظانّ وقوع البصر على
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 132
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣٢