لتصيرنّ إلى حساب عسير ، ولئن لم تقنع بالقليل لتصيرنّ إلى وقوف طويل وصراخ وعويل ، أمّا علمت أنّ ترك الاشتغال بالمال وفراغ القلب بالذكر والتذكار والفكر والاعتبار أسلم للدّين وأيسر للحساب وأخفّ للمسائلة وآمن من روعات يوم القيامة وأجزل للثواب وأعلى لقدرك عند اللَّه وأروح لبدنك وأقلّ لتعبك وأنعم لعيشك وأرخى لبالك وأقلّ لهمومك ، فما عذرك في جمع المال ، أنت بترك المال أفضل ممّن طلب المال لأعمال البرّ ، نعم شغلك بذكر اللَّه أفضل من بذل المال في سبيل اللَّه فاجتمع لك راحة العاجل مع السلامة والفضل في العاجل وبعد فلو كان في جمع المال فضل عظيم لوجب عليك في مكارم الأخلاق أن تتأسى بنبيّك صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وترضى بما اختار لنفسه من مجانبة الدنيا ويحك تدبّر بما سمعت وكن على يقين أنّ السعادة والفوز في مجانبة الدّنيا فسر مع لواء المصطفى صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم سابقا إلى جنّة المأوى فإنّه بلغنا أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « سادات المؤمنين في الجنّة من إذا تغدّى لم يجد عشاء ، وإذا استقرض لم يجد قرضا وليس له فضل كسوة إلا ما يواريه ولم يقدر على أن يكتسب ما يغنيه يمسي مع ذلك ويصبح راضيا عن ربّه : « فأولئك مع الَّذين أنعم اللَّه عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا » [ 1 ] ألا يا أخي فمتى جمعت المال بعد هذا البيان فإنّك مبطل فيما ادّعيت أنّك للبرّ والفضل تجمعه لا ولكنّك خوفا من الفقر تجمعه وللتنعّم والزّينة والفخر والتكاثر والعلوّ والرّياء والسمعة والتعظَّم والتكرّم تجمعه ، ثمّ تزعم أنّك لأعمال البرّ تجمع المال ويحك راقب اللَّه واستحي من دعواك أيّها المغرور ويحك إن كنت مفتونا بحبّ الدّنيا فكن مقرّا أنّ الخير والفضل في الرّضا بالبلغة ومجانبة الفضول ، نعم وكن عند جمع المال مزريا على نفسك ( 1 ) ، معترفا بإساءتك ، وجلا من الحساب ،
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 100
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٠٠
هامش
( 1 ) من أزرى يزرى أي موهنا نفسك .
[ 1 ] الآية في سورة النساء : 70 . والخبر عزاه صاحب مسند الفردوس للطبراني من رواية أبي حازم عن أبي هريرة مختصرا بلفظ « سادة الفقراء في الجنة الحديث » وقال العراقي : ولم أره في معاجم الطبراني .