تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 6

مساهمون:

ص٦

ما فاتك من الدّنيا فإنّ قليل الدّنيا لا يدوم بقاؤه وكثيرها لا يؤمن بلاؤه ، فخذ حذرك ، وجدّ في أمرك ، واكشف الغطاء عن وجهك ، وتعرّض لمعروف ربّك ، وجدّد التوبة في قلبك ، وأكمش ( 1 ) في فراغك قبل أن يقصد قصدك [ 1 ] ويقضى قضاؤك ويحال بينك وبين ما تريد » ( 2 ) . وعنه عليه السّلام قال : « كان أبو ذرّ - رضي اللَّه عنه - يقول في خطبته : يا مبتغي العلم كأنّ شيئا من الدّنيا لم يكن شيئا إلا ما ينفع خيره ويضرّ شرّه إلا من رحم اللَّه [ 2 ] ، يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك أنت يوم تفارقهم كضيف بتّ فيهم ثمّ غدوت عنهم إلى غيرهم والدّنيا والآخرة كمنزل تحوّلت منه إلى غيره وما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها ثمّ استيقظت منها ، يا مبتغي العلم قدّم لمقامك بين يدي اللَّه تعالى فإنّك مثاب بعملك كما تدين تدان يا مبتغي العلم » ( 3 ) . قال أبو حامد : قال بعضهم : يا أيّها النّاس اعملوا على مهل ، وكونوا من اللَّه على وجل ، ولا تغترّوا بالأمل ونسيان الأجل ولا تركنوا إلى الدّنيا فإنّها غدّارة خدّاعة قد تزخرفت لكم بغرورها وفتنتكم بأمانيها ، وتزيّنت لخطَّابها ، فأصبحت كالعروس المتحلَّية ، العيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها عاكفة ، والنفوس لها عاشقة ، فكم من عاشق لها قتلت ، ومطمئنّ إليها خذلت ، فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنّها دار كثرت بوائقها ، وذمّها خالقها ، جديدها يبلى ، وملكها يفنى ، وعزيزها يذلّ ، وكثيرها يقلّ ، وحيّها يموت ، وخيرها يفوت ، فاستيقظوا من غفلتكم ، وانتبهوا

هامش
( 1 ) الكمش : السعي ، أي أسرع وعجل .
( 2 ) الكافي ج 2 ص 134 تحت رقم 20 .
( 3 ) الكافي ج 2 ص 134 تحت رقم 18 .
[ 1 ] أي نحوك ، كناية عن توجّه ملك الموت إليك لقبض روحك أو توجّه الأمراض والبلايا من اللَّه إليك . [ 2 ] « إلا » في قوله : « إلا ما ينفع » كلمة استثناء و « ما » موصولة فالمعنى أن ما يتصور في هذه الدنيا أما شيء ينفع خيره أو شيء يضر شره إلا من رحم اللَّه ، أو كل شيء في الدنيا له جهة نفع وجهة ضر لكل الناس إلا من رحم اللَّه فيوفقه للاحتراز من جهة شره .