تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 8

مساهمون:

ص٨

العرّة ( 1 ) ، وما ذلك لهوانهم عليّ ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفّرا إنّما يتزيّن لي أوليائي بالذلّ والخشوع والخوف ، والتقوى يثبت في قلوبهم فيظهر على أجسادهم فهي ثيابهم الَّتي يلبسون ، ودثارهم الَّذي يظهرون ، وضميرهم الَّذي يستشعرون ، ونجاتهم الَّتي بها يفوزون ، ورجاؤهم الَّذي إيّاه يأملون ، ومجدهم الَّذي به يفخرون ، وسيماهم الَّتي بها يعرفون ، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك ، وذلَّل لهم قلبك ولسانك ، وأعلم أنّه من أخاف لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة ثمّ إنّي ثائر له يوم القيامة » . وقال بعض الحكماء : الأيّام سهام والناس أغراض ، والدّهر يرميك كلّ يوم بسهامه ، ويخرمك بلياليه وأيّامه حتّى تستغرق جميع أجزائك ، فكيف بقاء سلامتك مع وقوع الأيّام بك وسرعة اللَّيالي في بدنك ؟ لو كشف لك عمّا أحدثت الأيّام فيك من النقص لاستوحشت من كلّ يوم يأتي عليك ، واستثقلت ممرّ الساعات بك ، ولكن تدبير اللَّه فوق الاعتبار وبالسلو عن غوائل الدّنيا وجد طعم لذّاتها ، وأنّها لأمر من العلقم ( 2 ) إذا عجنها الحكيم ، وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها ، وما يأتي به من العجائب أكثر ممّا يحيط به الواعظ فنستوهب اللَّه رشدا إلى الصواب . وقال بعض الحكماء - وقد استوصف الدّنيا وقدر بقائها - فقال : الدّنيا وقتك الَّذي ترجع إليك فيه طرفك لأنّ ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه وما لم يأت فلا علم لك به ، والدّهر يوم مقبل تنعاه ليلته وتطويه ساعته ، وأحداثه تتوالى على الإنسان بالتغيير والنقصان ، والدّهر موكَّل بتشتيت الجماعات وانخرام الشمل ( 3 ) وتقلَّب الدّول ، والأمل طويل ، والعمر قصير ، وإلى اللَّه تصير الأمور . وخطب بعضهم فقال : يا أيّها الناس إنّكم خلقتم لأمر إن كنتم تصدّقون به

هامش
( 1 ) المبرك موضع البروك جمعه مبارك ، والعرّة - بالضم - السرجين .
( 2 ) العلقم : شجرة مر ويقال للحنظل .
( 3 ) انخرم القرن : ذهب وانقضى . وأصل الخرم الشق .