بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم * ( بيان المواعظ في ذم الدنيا ) * خطب عليّ عليه السّلام يوما فقال في خطبته : « اعلموا أنّكم ميّتون ومبعوثون من بعد الموت ، وموقوفون على أعمالكم ، ومجزيّون بها ، فلا تغرنّكم الحياة الدّنيا فانّها بالبلاء محفوفة ، وبالفناء معروفة ، وبالغدر موصوفة ، فكلّ ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها دول وسجال ( 1 ) ، لا تدوم أحوالها ، ولن يسلم من شرّها نزّالها ، بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور ، أحوال مختلفة ، وتارات متصرّفة ، العيش فيها مذموم ، والرّخاء فيها لا يدوم ، وإنّما أهلها فيها أغراض مستهدفة ، ترميهم بسهامها ، وتقصّمهم بحمامها ( 2 ) وكلّ جيفة فيها مقدور وحظَّه منها موفور ، واعلموا عباد اللَّه أنّكم وما أنتم فيه من هذه الدّنيا على سبيل من قد ممّن كان أطول منكم أعمارا ، وأشدّ منكم بطشا ، وأعمر ديارا ، وأبعد آثارا ، فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة ( 3 ) من بعد طول تقلَّبها ، وأجسادهم بالية ، وديارهم خالية ، وآثارهم عافية ، استبدلوا بالقصور المشيّدة ، والسرر والنمارق الممهّدة الصخور والأحجار المسنّدة في القبور اللاطئة الملحدة ، فمحلَّها مقترب ، وساكنها مغترب ، بين أهل عمارة موحشين وأهل محلَّة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان ، على ما كان بينهم من قرب الجوار ودنوّ الدّار بالدّيار ،
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 3
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣
هامش
( 1 ) السجل - بفتح السين - : الدلو الملاى ماء ويجمع على سجال - بكسر السين - والحرب بيننا سجال أي مرة لنا ومرة علينا وأصله أن المستقين بالسجل يكون لكل واحد منهم سجل . ( النهاية ) .
( 2 ) الحمام - بالكسر - الموت .
( 3 ) همدت النار أي خمدت .