تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 5

مساهمون:

ص٥

عسى أن يبقى من له يوم في الدّنيا ، وطالب حثيث يطلبه حتّى يفارقها ، فلا تجزعوا لبؤسها وضرّائها فإنّه إلى انقطاع ، ولا تفرحوا بنعمائها فإنّه إلى زوال ، عجبت لطالب الدّنيا والموت يطلبه وغافل فليس بمغفول عنه » ( 1 ) . أقول : وفي الكافي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : « فيما ناجى اللَّه تعالى به موسى عليه السّلام : يا موسى لا تركن إلى الدّنيا ركون الظالمين وركون من اتّخذها أبا وأمّا ، يا موسى لو وكلتك إلى نفسك لتنظر لها إذا لغلب عليك حبّ الدّنيا وزهرتها ، يا موسى نافس في الخير أهله واستبقهم إليه فإنّ الخير كاسمه ، واترك من الدّنيا ما بك الغنى عنه ، ولا تنظر عينك إلى كلّ مفتون بها موكَّل إلى نفسه ، وأعلم أنّ كلّ فتنة بدؤها حبّ الدّنيا ولا تغبط أحدا بكثرة المال فإنّ مع كثرة المال تكثر الذّنوب لواجب الحقوق ، ولا تغبطنّ أحدا برضاء الناس عنه حتّى تعلم أنّ اللَّه راض عنه ، ولا تغبطنّ مخلوقا بطاعة الناس له فإنّ طاعة الناس له واتّباعهم إيّاه على غير الحقّ هلاك له ولمن تبعه » ( 2 ) . وعنه عليه السّلام قال : « فيما وعظ به لقمان ابنه : يا بنيّ إنّ الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم فلم يبق ما جمعوا ولم يبق من جمعوا له وإنّما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووعدت عليه أجرا فأوف عملك واستوف أجرك ، ولا تكن في هذه الدّنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتّى سمنت فكان حتفها ( 3 ) عند سمنها ، ولكن أجعل الدّنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدّهر ، أخربها ولا تعمرها ( 4 ) فإنّك لم تؤمر بعمارتها ، وأعلم أنّك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي اللَّه تعالى عن أربع : شبابك فيما أبليته ( 5 ) وعمرك فيما أفنيته ، ومالك ممّا اكتسبته وفيما أنفقته فتأهّب لذلك وأعدّ له جوابا ، ولا تأس على

هامش
( 1 ) أورده الشريف الرضي في النهج على وجه أبسط . تحت رقم 97 .
( 2 ) المصدر ج 2 ص 135 تحت رقم 21 .
( 3 ) « حتفها » أي هلاكها . وسمن يسمن سمنا : كثر لحمه .
( 4 ) أي دعها خرابا بترك ما لا تحتاج إليه .
( 5 ) البالي هو الذي استعمل حتى أشرف على الاندراس .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 5 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري