تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
من رقدتكم قبل أن يقال : فلأن عليل أو مدنّف ثقيل ، فهل على الدّواء من دليل ؟ أو هل إلى الطبيب من سبيل ؟ فيدعي لك الأطبّاء ولا يرجى لك الشفاء ، ثمّ يقال : فلأن أوصى وما له قد أحصى ، ثمّ يقال : قد ثقل لسانه ، فلا يكلَّم إخوانه ، ولا يعرف جيرانه ، وعرق عند ذلك جبينك ، وتتابع أنينك ، وثبت يقينك ، وطمحت جفونك ، وصدقت ظنونك ، وتلجلج لسانك ، وبكى إخوانك ، وقيل لك : هذا ابنك فلان ، ومنعت الكلام فلا تنطق ، وختم على لسانك فلا ينطلق ، ثمّ حلّ بك القضاء ، وانتزعت نفسك من الأعضاء ، ثمّ عرج بها إلى السماء ، فأجتمع عند ذلك إخوانك ، وأحضرت أكفانك فغسّلوك وكفنّوك ، فانقطع عوادك ، واستراح حسّادك وانصرف أهلك إلى مالك ، وبقيت مرتهنا بأعمالك . وقال بعضهم لبعض الملوك : إنّ أحقّ الناس بذمّ الدّنيا وقلاها من بسط له فيها وأعطي حاجته منها لأنّه يتوقّع آفة تغدو على ماله فتحتاجه أو على جمعه فتفرّقه أو يأتي سلطانه فينهدمه من القواعد أو تدبّ إلى جسمه فتسقمه أو تفجعه بشيء ثمّ هو ضنين به من أحبابه ، فالدّنيا أحقّ بالذمّ هي الآخذة ما تعطي ، الرّاجعة فيما تهب ، بينا هي تضحك صاحبها إذا ضحكت منه غيره ، وبينا هي تبكي له إذا بكت عليه ، وبينا هي تبسط كفّها بالإعطاء إذ بسطتها بالاسترداد ، تعقد التاج برأس صاحبها اليوم وتعفره بالتراب غدا ، سواء عليها ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقي ، تجد في الباقي من الذّاهب خلفا وترضى بكلّ من كلّ بدلا . وقال : وهب بن منبّه : لمّا بعث اللَّه عزّ وجلّ موسى وهارون عليهما السّلام إلى فرعون قال : « لا يروّعنّكما لباسه الَّذي لبس من الدّنيا فإنّ ناصيته بيدي ، ليس ينطق ولا يتنفّس إلا بإذني ، ولا يعجبنّكما ما متّع به منها فإنّما هي زهرة الحياة الدّنيا وزينة المترفين ولو شئت أن أزيّنكما بزينة من الدّنيا يعرف فرعون حين يراها أنّ مقدرته تعجز عمّا أوتيتما لفعلت ولكنّي أرغب بكما عن ذلك فأزوي ذلك عنكما ، وكذلك أفعل بأوليائي إنّي لأذودهم عن نعيمها كما يذود الرّاعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة ، وإنّي لأجنّبهم سلوتها كما يجنّب الرّاعي الشفيق إبله عن مبارك