وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنتهم بكلكلة البلى ( 1 ) وأكلتهم الجنادل والثرى ( 2 ) وأصبحوا بعد الحياة أمواتا ، وبعد غضارة العيش رفاتا ( 3 ) ، فجمع بهم الأحباب ، وسكنوا التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب ، هيهات هيهات كلا إنّها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى ، والوحدة في دار المثوى ، وارتهنكم ذلك المضجع ( 4 ) ، وضمّكم ذلك المستودع ، فكيف بكم لو قضيت الأمور ، وبعثرت القبور ، وحصّل ما في الصدور ، وأوقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل ، فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب ، وهتكت عنكم الحجب والأستار ، وظهرت منكم العيوب والأسرار ، هنا لك تجزي كلّ نفس بما كسبت إنّ اللَّه يقول : « ليجزي الَّذين أساؤا بما عملوا ويجزي الَّذين أحسنوا بالحسنى » وقال تعالى : « ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه » جعلنا اللَّه وإيّاكم عاملين بكتابه ومتّبعين لأوليائه وأحبّائه حتّى تحلَّنا وإيّاكم دار المقامة من فضله إنّه حميد مجيد » ( 5 ) . وقال عليه السّلام أيضا في خطبته : « أوصيكم بتقوى اللَّه ، والترك للدّنيا التاركة لكم وإن كنتم لا تحبّون تركها ، المبلية لأجسامكم وإن كنتم تريدون تجديدها ، فانّما مثلكم ومثلها كمثل سفر سلكوا طريقا فكأنّهم قد قطعوه [ 1 ] وأمّوا إلى علم فكأنّهم قد بلغوه ، وكم عسى أن يجري المجري حتّى ينتهي إلى الغاية [ 2 ] وما
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 4
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤
هامش
( 1 ) الكلكل - كجعفر - صدر البعير ، شبه عليه السّلام البلى - بكسر الباء - أي الفناء - بالجمل يرض بصدره ما برك عليه فطحنه .
( 2 ) الجنادل : الحجارة ، والثرى : التراب .
( 3 ) الرفاة كل ما تكسر وبلى .
( 4 ) أي حبستم كما يحبس الرهن في يد المرتهن .
( 5 ) أورده الشريف الرضي في النهج باختلاف في اللفظ تحت رقم 224 .
[ 1 ] السفر - بفتح فسكون - : جماعة المسافرين أي أنكم في مسافة العمر كالمسافرين في مسافة الطريق فلا يلبثون أن يأتوا على نهايتها لأنها محدودة .
[ 2 ] « كم عسى » استفهامية للتحقير وأجراء الفرس ارساله وحملة على السير . و « ما عسى » استفهامية في معنى التحقير للبقاء .