تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣

مخارج الحروف في جميع صلاته لا يهمّه غيره ولا يتفكَّر فيما سواه ذاهلا عن معنى القرآن والاتّعاظ به وصرف الهمّ إلى فهم أسراره ، وهذا من أقبح أنواع الغرور ، فإنّه لم يكلَّف الخلق في تلاوة القرآن من تحقيق مخارج الحروف إلا بما جرت به عادتهم في الكلام ، ومثال هؤلاء مثال من حمل رسالة إلى مجلس سلطان فأمر أن يؤدّيها على وجهها فأخذ يؤدّي الرّسالة ويتأنّق في مخارج الحروف ويكررّها ويعيدها مرّة بعد أخرى ، وهو في ذلك غافل عن مقصود الرّسالة ومراعاة حرمة المجلس ، فما أحراه بأن تقام عليه السياسة فيردّ إلى دار المجانين ويحكم عليه بفقد العقل . وفرقة أخرى اغترّوا بقراءة القرآن فيهذّونه هذا ( 1 ) ، وربّما يختمون في اليوم واللَّيلة مرّة ولسان أحدهم يجري به وقلبه يتردّد في أودية الأمانيّ إذ لا يتفكَّر في معاني القرآن لينزجر بزواجره ، ويتّعظ بمواعظه ، ويقف عند أوامره ونواهيه ، ويعتبر بمواضع الاعتبار فيه إلى غير ذلك ممّا ذكرناه في كتاب تلاوة القرآن من مقاصد التلاوة ، فهو مغرور يظنّ أنّ المقصود من إنزال القرآن الهمهمة به مع الغفلة عنه ، ومثاله مثال عبد كتب إليه مولاه ومالكه كتابا وأشار عليه فيه بالأوامر والنواهي فلم يصرف عنايته إلى فهمه والعمل به ولكن اقتصر على حفظه ، فهو مستمرّ على خلاف ما أمر به مولاه إلا أنّه مكرّر للكتاب بنغمته وصوته كلّ يوم مائة مرّة فهو مستحقّ للعقوبة ، ومهما ظنّ أنّ ذلك هو المراد منه فهو مغرور ، نعم تلاوته إنّما تراد لكيلا ينسى بعد ولحفظه وحفظه يراد لمعناه ومعناه يراد للعمل به والانتفاع بمعانيه ، وقد يكون له صوت طيّب فهو يقرؤه ويتلذّذ به ويغترّ باستلذاذه ويظنّ أنّ ذلك لذّة مناجاة الله تعالى وسماع كلامه وإنّما هي لذّته في صوته ولو ردّد ألحانه بشعر أو كلام آخر لالتذّ به ذلك الالتذاذ فهو مغرور إذ لم يتفقّد قلبه فيعرف أنّ لذّته بكلام الله من حيث نظمه ومعانيه أو بصوته .

هامش
( 1 ) قال الزمخشري في الأساس : هذه هذا : أسرع قطعه . وسكين هذود ، ومن المجاز هذ القرآن وهو يهذه هذا إذا أسرع فيه وتابعه ، ومنه قول رؤية : « ضربا هذا ذيك وطعنا وحضا » .