الصنف الثاني أرباب العبادة والعمل والمغرورون منهم فرق كثيرة . فمنهم من غروره في الصّلاة ومنهم في تلاوة القرآن ومنهم في الحجّ ومنهم في الصوم ومنهم في الغزو ومنهم في الزّهد وكذلك كلّ مشغول بمنهج من مناهج العمل فليس خاليا من غرور إلا الأكياس وقليل ما هم ، ومنهم فرقة أهملوا الفرائض واشتغلوا بالفضائل والنوافل وربّما تعمّقوا في الفضائل حتّى خرجوا إلى العدوان والسرف كالَّذي تغلب عليه الوسوسة في الوضوء فيبالغ فيه ولا يرتضي الماء المحكوم بطهارته في فتوى الشرع ويقدّر الاحتمالات البعيدة قريبة في النجاسة وإذا آل الأمر إلى الأكل الحلال قدّر الاحتمالات القريبة بعيدة وربما أكل الحرام المحض ، ولو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى الطعام لكان أشبه بسيرة الصحابة ، ثمّ من هؤلاء من يخرج إلى الإسراف في صبّه الماء وذلك منهيّ عنه ( 1 ) ، وقد يطول الأمر حتّى يضيّع الصلاة ويخرجها عن وقتها وإن لم يخرجها عن وقتها أيضا فهو مغرور لما فاته من فضيلة أوّل الوقت وإن لم يفته فهو مغرور لإسرافه في الماء وإن لم يسرف فهو مغرور لتضييعه العمر الَّذي هو أعزّ الأشياء فيما له مندوحة إلا أنّ الشيطان يصدّ الخلق عن الله بطرق شتّى ولا يقدر على صدّ العباد إلا بما يخيّل إليهم أنّه عبادة فيبعّدهم عن الله بمثل ذلك . وفرقة أخرى غلبت عليها الوسوسة في نيّة الصلاة فلا يدعه الشيطان حتّى يعقد نيّته صحيحة بل يشوّش عليه حتّى تفوته الجماعة ويخرج الصلاة عن الوقت وإن تمّ تكبيره فيكون في قلبه بعد تردّد في صحّة نيّته وقد يوسوسون في التكبير حتّى قد يغيّرون صيغة التكبير لشدّة الاحتياط فيه يفعلون ذلك في أوّل الصلاة ، ثمّ يغفلون في جميع الصلاة ولا يحضرون قلوبهم ويغترّون بذلك ويظنّون أنّهم إذا أتعبوا أنفسهم في تصحيح النيّة في أوّل الصلاة وتميّزوا عن العامّة بهذا الجهد والاحتياط فهم على خير عند ربّهم . وفرقة أخرى تغلب عليها الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة وسائر الأذكار من مخارجها ، فلا يزال يحتاط في التشديدات والفرق بين الضاد والظاء وتصحيح
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 332
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٣٢
هامش
( 1 ) راجع سنن ابن ماجة رقم 421 .