يطهّروا ظاهرهم وباطنهم ، قلوبهم معلَّقة ببلادهم ملتفتة إلى قول من يعرفه أنّ فلانا مجاور بمكَّة تراه يتحدّى ويقول : قد جاورت بمكَّة كذا وكذا سنة وإذا سمع أنّ ذكر ذلك قبيح ترك صريح التحدّي وأحبّ أن يعرفه الناس بذلك ، ثمّ إنّه يجاور ويمدّ عين طمعه إلى أوساخ أموال الناس فإذا جمع من ذلك شيئا شحّ عليه وأمسكه ولم تسمح نفسه بلقمة يتصدّق بها على فقير فيظهر فيه الرّياء والبخل والطمع وجملة من المهلكات كان عنها بمعزل لو ترك المجاورة ولكنّ حبّ المحمدة وأن يقال : إنّه من المجاورين ألزمه المجاورة ولكن مع التصنّع بهذه الرّذائل فهو أيضا مغرور ، وما من عمل من الأعمال ولا عبادة من العبادات إلا وفيها آفات فمن لم يعرف مداخل آفاتها واعتمد عليها بغير معرفة فهو مغرور ولا يعرف شرح ذلك إلا من جملة كتاب إحياء العلوم فيعرف مداخل الغرور في الصلاة من كتاب الصلاة ، وفي الحجّ والزكاة وسائر القربات من الكتب الَّتي رتّبناها فيها ، وإنّما الغرض الآن الإشارة إلى مجامع ما سبق في الكتب .
وفرقة أخرى تزهّدت وقنعت من اللَّباس والطعام بالدّون ومن المسكن بالمساجد وظنّت أنّها أدركت رتبة الزّهّاد وهو مع ذلك راغب في الرئاسة والجاه إمّا بالعلم أو بالوعظ أو بمجرّد الزّهد فقد ترك أهون الأمرين رياء بأعظم المهلكين فإنّ الجاه أعظم من المال ، ولو ترك الجاه وأخذ المال كان إلى السلامة أقرب وهذا مغرور إذ ظنّ أنّه من الزّهّاد في الدّنيا ، وهو لم يعرف معنى الدّنيا ولم يدر أن منتهى لذّاتها الرئاسة ، وإنّ الراغب فيها لا بدّ وأن يكون منافقا وحسودا ومتكبّرا ومرائيا ومتّصفا بجميع خبائث الأخلاق ، نعم وقد يترك الرئاسة ويؤثر الخلوة والعزلة وهو مع ذلك مغرور إذ يتطاول بذلك على الأغنياء ويخشن معهم الكلام وينظر إليهم بعين الاستحقار ويرجو بنفسه أكثر ممّا يرجو لهم ويعجب بعمله ويتّصف بجملة من خبائث القلوب وهو لا يدري وربّما يعطى المال فلا يأخذه خيفة من أن يقال : بطل زهده ، ولو قيل له : إنّه حلال فخذه في الظاهر وردّه في الباطن لم تسمح به نفسه خوفا من ذمّ الناس فهو راغب في حمد الناس وهو من ألذّ أبواب الدّنيا ،
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 335
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٣٥