تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
هو ألم التسليم فسلَّمه فلا فرق بين هذا وبين المصادرة ، إذ معنى المصادرة إيلام البدن بالسوط حتّى يصير ذلك أقوى من ألم القلب ببذل المال فيختار أهون الألمين والسؤال في مظنّة الحياء والرّياء ضرب للقلب بالسوط ولا فرق بين ضرب الباطن وضرب الظاهر عند الله ، فإنّ الباطن عند الله ظاهر وإنّما حاكم الدّنيا هو الَّذي يحكم بظاهر قوله « وهبت » لأنّه لا يمكنه الوقوف على ما في القلب وكذلك من يعطي اتّقاء لشرّ لسانه أو لشرّ سعايته فهو حرام عليه وكذلك كلّ ما يؤخذ على هذا الوجه فهو حرام إذ طيبة القلب لا تكون في الإبراء والهبة وغيره إلا إذا خلا الإنسان واختياره حتّى تنبعث الدّواعي من ذات نفسه لا أن تضطرّ دواعيه إلى الحركة بالحيل والإلزام ومن ذلك هبة الرّجل مال الزّكوة في آخر الحول من زوجته واتّهابه مالها لإسقاط الزّكاة فالفقيه يقول : سقطت الزّكاة فإن أراد به أنّ مطالبة السلطان والساعي قد سقطت عنه فقد صدق فإنّ مطمح نظرهم ظاهر الملك وقد زال ، وإن ظنّ أنّه يسلم في القيامة ويكون كمن لم يملك المال ، أو كمن باع لحاجته إلى المبيع لا على هذا القصد ، فما أعظم جهله بفقه الدّين وسرّ الزّكاة ، فإنّ سرّ الزّكاة تطهير القلب عن رذيلة البخل فإنّ البخل مهلك ، قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « ثلاث مهلكات شحّ مطاع » وإنّما صار شحّه مطاعا بما فعله وقبله لم يكن مطاعا فقد تمّ هلاكه بما يظنّ أنّ فيه خلاصه فإنّ الله مطَّلع على قلبه وحبّه المال وحرصه عليه وإنّه بلغ على المال أن استنبط الحيل حتّى يسدّ على نفسه طريق الخلاص من البخل بالجهل والغرور . ومن ذلك إباحة الله تعالى مال المصالح للفقيه وغيره بقدر الحاجة ، والفقهاء المغرورون لا يميزون بين الأمانيّ والفضول والشهوات وبين الحاجات بل كلّ مالا تتمّ رعونتهم إلا به يرونه حاجة وهو محض الغرور ، بل الدّنيا خلقت للحاجة إليها في العبادة وسلوك طريق الله ، فكلّ ما تناوله العبد للاستعانة على الدّين والعبادة فهو حاجته ، وما عدا ذلك فهو فضوله وشهوته ، ولو ذهبنا نصف غرور الفقهاء في أمثال هذا لملأنا فيه مجلَّدات والغرض التنبيه على أمثلة تعرف الأجناس دون الاستيعاب ، فإنّ ذلك يطول .