تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠

والصناعات وما يعلم أنّه ليس من علوم الشرع فلا يعتقد أصحابها أنّهم ينالون المغفرة بها من حيث أنّها علوم وكان الغرور فيها أقلّ من الغرور بعلوم الشرع ، لأنّ العلوم الشرعيّة مشتركة في أنّها محمودة كما يشارك القشر اللَّبّ في كونه محمودا ولكنّ المحمود منه بعينه هو المنتهى والباقي محمود للوصول به إلى المقصود الأقصى فمن ظنّه مقصودا وعرّج إليه فقد اغترّ به . وفرقة أخرى عظم غرورهم في فنّ الفقه وظنّوا أنّ حكم العبد بينه وبين الله تعالى يتبع حكمه في مجلس القضاء فوضعوا الحيل في دفع الحقوق واساؤا تأويل الألفاظ المبهمة واغترّوا بالظواهر وأخطأوا فيها وهذا من قبيل الخطأ في الفتوى والغرور فيه والخطأ في الفتوى ممّا يكثر ولكنّ هذا نوع عمّ الكافّة إلا الأكياس منهم فنشير إلى أمثلة له فمن ذلك فتواهم بأنّ المرأة مهما أبرأت الزوج من الصداق برئ الزوج بينه وبين الله تعالى وذلك خطأ بل الزّوج قد يسيء إلى الزّوجة بحيث يضيق عليها الأمور بسوء الخلق فتضطرّ إلى طلب الخلاص فتبرئ الزّوج لتتخلَّص منه وهو إبراء من غير طيبة نفس وقد قال تعالى : « فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا » ( 1 ) وطيبة النفس غير طيبة القلب فالقلب قد يريد ما لا تطيب به النفس كالإنسان يريد الحجامة بقلبه ولكن تكرهها نفسه ، فإنّما طيبة النفس أن تسمح نفسها بالإبراء لا عن ضرورة تقابله حتّى إذا ردّدت بين ضررين اختارت أهونهما فهذه مصادرة على التحقيق بإكراه الباطن نعم القاضي في الدّنيا لا يطَّلع على القلوب والأغراض فينظر إلى الإبراء الظاهر وإنّها لم تكره بسبب ظاهر والإكراه الباطن ليس يطَّلع الخلق عليه ولكن مهما تصدّى القاضي الأكبر في صعيد القيامة للقضاء لم يكن هذا محسوبا ولا مفيدا في تحصيل الإبراء وكذلك لا يحلّ مال الإنسان أن يؤخذ إلا بطيبة النفس منه فلو طلب من إنسان مالا على ملاء من الناس فاستحيى من الناس أن لا يعطيه وكان يودّ أن يكون سؤاله في خلوة حتّى لا يعطيه ولكن خاف ألم مذمّة الناس ، وخاف ألم تسليم المال وردد نفسه بينهما فاختار أهون الألمين و

هامش
( 1 ) النساء : 4 .