لأنّه لا يفهم ولا يحفظ ، فالصبيّ الَّذي يلعب والغافل والمشغول بالنسخ عن السماع ليس يفهم ولا يحفظ ، وهل للسماع مستند إلا قول رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « نضّر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها » ( 1 ) وكيف يؤدّي كما سمعها من لا يدري ما سمعه فهذا هو أفحش أنواع الغرور وقد بلي به أهل الزّمان ولو احتاط أهل الزّمان لم يجدوا شيوخا إلا الَّذين سمعوه في الصبا على هذا الوجه مع الغفلة إلا أنّ للمحدّثين في ذلك جاها وقبولا ، فخاف المساكين أن يشترطوا ذلك فيقلّ من يجتمع لذلك في حلقهم فينقص جاههم وتقلّ أيضا أحاديثهم الَّتي قد سمعوها بهذا الشرط بل ربّما عدموا ذلك وافتضحوا فاصطلحوا على أنّه ليس يشترك إلا أن يقرع سمعه دمدمة وإن كان لا يدري ما يجري وصحّة السماع لا تعرف من قول المحدّثين لأنّه ليس من علمهم بل من علم علماء أصول الفقه وما ذكرناه مقطوع به في قوانين أصول الفقه ، فهذا غرور هؤلاء ولو سمعوا على الشرط لكانوا مغرورين في اقتصارهم على النقل وفي إفناء أعمارهم في جمع الرّوايات والأسانيد وإعراضهم عن مهمّات الدّين ومعرفة معاني الأخبار ، بل الَّذي يقصد من الحديث سلوك طريق الله تعالى ربّما يكفيه الحديث الواحد عمرا كما روي عن بعض الشيوخ أنّه حضر مجلس السماع فكان أوّل حديث روي قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » ( 2 ) فقام وقال : يكفيني هذا حتّى أفرغ منه ثمّ أسمع غيره فهكذا كان سماع الأكياس الَّذين يحذرون الغرور . وفرقة أخرى اشتغلوا بعلم النحو واللَّغة والشعر وغريب اللَّغة واغترّوا به وزعموا أنّهم قد غفر لهم وأنّهم من علماء الأمّة إذ قوام الدّين بالكتاب والسنّة وقوام الكتاب والسنّة بعلم اللَّغة والنحو فأفنى هؤلاء أعمارهم في دقائق النحو وفي صناعة الشعر وفي غريب اللَّغة ومثالهم كمن يفني جميع العمر في تعلَّم الخطَّ وتصحيح
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 328
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٢٨
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 236 من حديث أنس وتحت رقم 230 من حديث زيد بن حارث وغيره .
( 2 ) أخرجه الترمذي وابن مالك وقد تقدم .