على المنابر وبعضهم في المحاريب وبعضهم في الأسواق مع الجلساء وكلّ منهم يظنّ أنّه إذا تميّز بهذا القدر عن السوقيّة والجنديّة - إذ حفظ كلام الزّهّاد وأهل الدّين دونهم - فقد أفلح ونال الفرض وصار مغفورا له وأمن من عقاب الله من غير أن يحفظ ظاهره وباطنه عن الآثام ولكنّه يظنّ أنّ حفظه لكلام الزّهّاد من أهل الدّين يكفيه وغرور هؤلاء أظهر من غرور من قبلهم .
وفرقة أخرى استغرقوا أوقاتهم في علم الحديث أعني في سماعه وجمع الرّوايات الكثيرة منها وطلب الأسانيد الغريبة العالية ، وهمّة أحدهم أن يدور في البلاد ويرى الشيوخ ليقول : أنا أروي عن فلان وقد لقيت فلانا ومعي من الأسانيد ما ليس مع غيري . وغرورهم من وجوه منها أنّهم كحملة الأسفار فإنّهم لا يصرفون العناية إلى فهم معاني السنّة فعلمهم قاصر وليس معهم إلا النقل ويظنّون أنّ ذلك يكفيهم .
ومنها أنّهم إذا لم يفهموا معانيها لا يعملون بما فيها وقد يفهم بعضهم أيضا فلا يعملون بها . ومنها أنّهم يتركون العلم الَّذي هو فرض عينهم وهو معرفة معالجة القلوب ويشتغلون بكثرة الاستنادات وطلب الأسانيد العالية ولا حاجة بهم إلى شيء من ذلك .
ومنها وهو الَّذي أكبّ عليه أهل الزّمان أيضا أنّهم لا يقومون بشرط السماع فإنّ السماع بمجرّده وإن لم تكن له فائدة ولكنّه مهم في نفسه للوصول إلى إثبات الحديث إذ التفهّم بعد الإثبات والعمل بعد التفهّم ، فالأوّل السماع ثمّ التفهّم ثمّ الحفظ ثمّ العمل ثمّ النشر [ 1 ] ، وهؤلاء اقتصروا من الجملة على السماع ثمّ تركوا حقيقة السماع فترى الصبيّ يحضر في مجلس الشيخ والحديث يقرأ والشيخ ينام والصبيّ يلعب ثمّ يكتب اسم الصبيّ في السماع فإذا كبر تصدّى ليسمع منه والبالغ الَّذي يحضر ربّما يغفل ولا يسمع ولا يصغى ولا يضبط وربّما يشتغل بحديث
هامش
[ 1 ] في الكافي ج 1 ص 48 عن أبي عبد الله ، عن آبائه عليهم السلام قال : جاء رجل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله ما العلم ؟ قال : الانصات ، قال :
ثم مه ؟ قال : الاستماع ، قال : ثم مه ؟ قال : الحفظ ، قال : ثم مه ؟ قال : العمل به ، قال : ثم مه يا رسول الله ؟ قال : نشره .