العشرة ويردّ إلى كلّ واحد عشرة وإن كان مال كلّ واحد قد اختلط بمال الآخر .
الثاني في قوله : إنّك من مصالح المسلمين وبك قوام الدّين ولعلّ الَّذين فسد دينهم واستحلَّوا أموال السّلاطين ورغبوا في طلب الدّنيا والإقبال على الرّئاسة والإعراض عن الآخرة بسببه أكثر من الَّذين زهدوا في الدّنيا ورفضوها وأقبلوا على الله ، فهو على التحقيق دجّال الدّين وقوام مذهب الشياطين لا إمام الدّين إذ الإمام هو الَّذي يقتدى به في الإعراض عن الدّنيا والإقبال على الله كالأنبياء ومتابعيهم ، والدّجّال هو الَّذي يقتدى به في الإعراض عن الله والإقبال على الدّنيا ولعلّ موت مثل هؤلاء أنفع للمسلمين من حياته وهو يزعم أنّه قوام الدّين ومثله كما قال عيسى عليه السّلام للعالم السّوء : « إنّه كصخرة وقعت على فم الوادي فلا هي تشرب الماء ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزّرع » .
وأصناف غرور أهل العلم في هذه الأعصار المتأخّرة خارجة عن الحصر ، وفيما ذكرناه تنبيه بالقليل على الكثير .
وفرقة أخرى أحكموا العلوم وطهّروا الجوارح وزيّنوها بالطاعات واجتنبوا ظاهر المعاصي وتفقّدوا أخلاق النفس وصفات القلب من الرّياء والحسد والكبر والحقد وطلب العلوّ وجاهدوا أنفسهم في التبرّي منها وقلعوا من القلوب منابتها الجليّة القويّة ولكنّهم بعد مغرورون إذ بقيت في زوايا القلب من خفايا مكائد الشيطان وخبايا خدائع النّفس ما دقّ وغمض مدركه فلم يفطَّنوا لها وأهملوها وإنّما مثاله من يريد تنقية الزّرع من الحشيش فدار عليه وفتّش عن كلّ حشيش رآه فقلعه إلا أنّه لم يفتّش عمّا لم يخرج رأسه بعد من تحت الأرض وظنّ أنّ الكلّ قد ظهر وبرز ، وكان قد نبت من أصول الحشيش شعب لطاف فانبسطت تحت التراب فأهملها وهو يظنّ أنّه قد اقتلعها فإذا هو بها في غفلته وقد نبتت وقويت وأفسدت أصول الزّرع من حيث لا يدري ، فكذلك العالم قد يفعل جميع ذلك ويذهل عن المراقبة للخفايا والتفقّد للدّقائق فتراه يسهر ليله ونهاره في جمع العلوم وترتيبها وتحسين ألفاظها وجمع التصانيف فيها وهو يرى أنّ باعثه الحرص على إظهار دين الله ونشر شريعته
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 315
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣١٥