لنا » ( 1 ) وقال تعالى : « ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد » ( 2 ) والقرآن من أوّله إلى آخره تحذير وتخويف لا يتفكَّر فيه متفكَّر إلا ويطول حزنه ويعظم خوفه إن كان مؤمنا بما فيه وترى الناس يهذّونه هذّا ، يخرجون الحروف من مخارجها ويتناظرون على رفعها وخفضها ونصبها وكأنّهم يقرؤن شعرا من أشعار العرب لا يهمّهم الالتفات إلى معانيه والعمل بما فيه . وهل في العالم غرور يزيد على هذا ؟ فهذه أمثلة الغرور بالله وبيان الفرق بين الرّجاء والغرور ، ويقرب منه غرور طوائف لهم طاعات ومعاص إلا أنّ معاصيهم أكثروهم يتوقّعون المغفرة ويظنّون أنّه تترجّح كفّة حسناتهم مع أنّ ما في كفّة السيّئات أكثر وهذا غاية الجهل فترى الواحد يتصدّق بدراهم معدودة من الحلال والحرام ويكون ما يتناول من أموال المسلمين والشبهات أضعافه ولعلّ ما تصدّق به من أموال المسلمين وهو يتّكل عليه ويظنّ أنّ أكل ألف درهم حرام يقاومه التصدّق بعشرة من الحلال أو الحرام وما هو إلا كمن وضع عشرة دراهم في كفّة ميزان وفي الكفّة الأخرى ألف وأراد أن يميل الكفّة الثقيلة بالكفّة الخفيفة وذلك غاية الجهل ، نعم ومنهم من يظنّ أنّ طاعاته أكثر من معاصيه لأنّه لا يحاسب نفسه ولا يتفقّد معاصيه وإذا عمل طاعة حفظها واعتدّ بها كالَّذي يستغفر الله بلسانه أو يسبّح الله في اليوم مائة مرّة ثمّ يغتاب المسلمين ويمزّق أعراضهم ويتكلَّم بما لا يرضاه الله طول النهار من غير حصر وعدد ويكون نظره إلى عدد سبحته وأنّه استغفر مائة مرّة وغفل عن هذيانه طول نهاره الَّذي لو كتبها لكان مثل تسبيحه مائة مرّة أو ألف مرّة وقد كتبه الكرام الكاتبون وأوعد الله العقاب على كلّ كلمة وقال : « ما يلفظ من قول إلا لديه رقيبٌ عتيد » ( 3 ) فهو أبدا يتأمّل في فضائل التسبيحات والتهليلات ولا يلتفت إلى ما ورد في عقوبة المغتابين والكذابين والنّمامين ، والمنافقين يظهرون من الكلام ما لا يضمرونه إلى غير ذلك من آفات اللَّسان وذلك محض الغرور ولعمري لو كان الكرام الكاتبون يطلبون منه أجرة النسخ لما يكتبونه من هذيانه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 308
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠٨
هامش
( 1 ) الأعراف 169 .
( 2 ) إبراهيم : 14 .
( 3 ) سورة ق : 17 .